الاندماج الحقيقي هو التكيف، لا غير


أغلب العرب، إن لم نقل جميعهم، متفقون في شيء واحد. إنهم يتقبلون فكرة أن الانتقال إلى وسط جديد، سواء كان وسطا طبيعيا أو اجتماعيا يستتبع بالضرورة التكيف مع الجديد. بكل بساطة، فالإنسان الذي يعيش في منطقة جغرافية حارة فيها حدود واضحة بين الفصول الأربعة تكون له عادات في اللبس، والمأكل تتناسب مع كل فصل. وعند الانتقال إلى منطقة باردة ليس فيها حدود واضحة بين فصول السنة، فإن الإنسان سيتكيف من ناحية اللبس والمأكل، وغير ذلك. كذلك الحال عند الانتقال من مجتمع يعتمد، مثلا، التلقائية في التعامل مع كل جوانب الحياة إلى مجتمع فيه نظام قاس يضبط العلاقات بين الأشخاص من جهة، وبين الأشخاص والدولة من جهة أخرى، فإن الإنسان سيجد نفسه مجبرا على الابتعاد عن التلقائية وعن العلاقات الاجتماعية المتداخلة والتكيف لمجتمع يقوم على أساس الفردية. الإنسان يتكيف. عبارة “التكيف” هي كلمة السر في مدى نجاح الإنسان في مواكبة الحياة في وسط أو مجتمع جديد. والتكيف لا يعني، على الإطلاق، أن ينسلخ الإنسان من جلده، أو أن يبدل جوهره، وإنما التحرك قليلا أو كثيرا عن المعتاد من أجل المحافظة على جوهره في الوسط الجديد.

العلاقة العدائية والثقافة الجيدة
هل يحصل هذا في انتقال الناس إلى الدنمارك أيضا؟ هنا نلاحظ أن البلد يعتبر في نظر الجميع مثاليا، إلا في جانب واحد منه، هو الثقافة. إن عبارة الثقافة تثير نوعا من الهلع في نفوس بعض الناس، فيظنون أن الثقافة الدنماركية تريد التهامهم، وأخذ أولادهم من أيديهم، وجعلهم يبتعدون عن ثقافة الآباء والأجداد. إذا كان هناك خوف من هكذا سيناريو، فالابتعاد حتمي، ليس لأن أولادنا يعيشون في أحضان المجتمع الدنماركي وثقافته، بل بسبب تغير الأجيال. حتى في بلداننا الأصلية لا يمكن للآباء أن يتوقعوا أن يكون أولادهم نسخة طبق الأصل منهم. البشر يختلفون من جيل إلى آخر.

عندما يسألونني هل أنت مندمج في هذا المجتمع؟ أجيب نعم لأني أحب طريقة تعامل الدنماركيين مع بعضهم البعض، وأعمل جهدي للتعلم منهم، بصرف النظر عما إذا كانوا يحبونني أو لا. ولا أخاف أبدا من هذه الثقافة، فهي لا تجبرني على شيء.

د. عمر ظاهر

بدلا من الإقرار بهذه الحقيقة، تبدأ هنا في المجتمع الجديد، مع الأسف، إقامة علاقة عدائية بين ثقافتنا والثقافة الدنماركية، دون أن يفكر الناس أن المسألة ليست وجود ثقافة جيدة وأخرى سيئة، والحكم بأن ثقافتنا هي الجيدة. المسألة هي أننا ما أن نكون على احتكاك بشخص أو مجتمع، أو ثقافة فإن عملية من التأثير المتبادل تبدأ رغما عنا. نحن نؤثر ونتأثر، والخيار بين هذا وذاك يأتي عادة بتغليب المنطق. إذا وجد شبابنا جانبا في الثقافة الدنماركية يتجاوب مع متطلباتهم الروحية كشباب منطلقين، فإن من العبث أن نحاول إقناعهم بإخضاع منطقهم، ونزعاتهم إلى التجديد لأحكام ثقافة آبائنا، وهي لا تتجاوب مع عقليتهم.

الثقافة التي لا تتسع لتطور أبنائها ثقافة في طريقها إلى الاندثار
هناك وصفة للاندماج ربما لا يعرفها بعض العرب، تتلخص في أن الموقف السليم من هذه الثقافة لا يقوم على أساس أن الدنماركيين يحبوننا أو لا يحبوننا. من الضروري أن نتعلم الفصل دائما بين أمرين مختلفين: موقف الدنماركيين من الغرباء شيء، لكنه شيء آخر هو كيف يتعامل الدنماركيون مع بعضهم البعض، أي ثقافتهم. أن لا يحبنا أي دنماركي (ونحتاج هنا إلى تعريف الحب الذي نتوقعه) فقد يكون وراءه ألف سبب: الخوف منا، الإعلام المغرض، اللاأبالية، الجهل بالتواصل الثقافي، وغير ذلك. وقبل كل شيء، لماذا يجب أن يحبنا الدنماركي؟ نعم، لماذا أتوقع أن يحبني أحد؟ هل لأني متعود على الحب في عالمي العربي، وكنت غارقا فيه، وأفتقده هنا؟ أنا ولدت في مدينة صغيرة كل الناس فيها أقارب، ولكن تلك القرابة لم تمنع الناس من إجبار أسرتي المسالمة على الهرب، والوقوع في براثن الغربة في بغداد لمجرد أن أخويّ، وكانا يومها مراهقين لا يفهمان شيئا في السياسة، كانا يحملان الفكر الشيوعي (مضحك، أليس كذلك؟). كيف سمحت ثقافتنا بتشريد ذوي القربى لأن أولادهم يتأثرون بموجة عالمية من الميل إلى الأفكار الاشتراكية؟ إن الثقافة التي لا تتسع لتطور أبنائها ثقافة في طريقها إلى الاندثار.

أنا أحب في الثقافة الدنماركية جملة من الخصال التي أفتقدها في ثقافتنا، وأنظر بإعجاب إلى هذه الثقافة واحترام لها: أحب استخدامهم للغة في حل الخلافات. لماذا وهبنا الله اللغة إن لم نكن قادرين على استخدامها في التفاهم؟ وأحب لجوءهم إلى النظام القانوني (وليس السباب والشتائم، وقبضات الأيدي) إذا عجزت اللغة، وأحب فيهم الصدق، والحدود الواضحة بين الأشياء، وبين الأشخاص (وليس خلط الأم، والأخت وبنات العم والخال ونساء العشيرة كلهن في خلافات بين شخصين)، وأحب عدم التدخل في الحياة الخاصة للناس، وأحب الواقعية في علاقاتهم ببعضهم البعض، وأحب منعهم تسلط الكبير على الصغير، وغير ذلك كثير. عندما يسألونني هل أنت مندمج في هذا المجتمع؟ أجيب نعم لأني أحب طريقة تعامل الدنماركيين مع بعضهم البعض، وأعمل جهدي للتعلم منهم، بصرف النظر عما إذا كانوا يحبونني أو لا. ولا أخاف أبدا من هذه الثقافة، فهي لا تجبرني على شيء.

التكيف هو المعيار
ولكن هل هذا هو ما يجعلني دنماركيا؟ أليس هناك ما يجعلني مختلفا عن بقية الدنماركيين؟ الجواب هو أني أختلف عن كل دنماركي بطريقة أو بأخرى، دون أن ينزع ذلك عني صفة “دنماركي”. ليس هناك تطابق في كل شيء بين دنماركيين اثنين. هناك دنماركيون لا يأكلون لحم الخنزير، وهناك دنماركيون يرون إسرائيل كيانا عنصريا، وهناك دنماركيون يتحولون إلى الإسلام وإلى أديان أخرى. أنا مثلي مثل أي دنماركي لي حقوق وعليّ التزامات. المشترك بيننا هو السلام في المجتمع، واحترام الآخرين، والولاء للبلد. أنا أعتبر، مثلا، الرسول الأكرم محمد أعظم إنسان وجد على وجه الأرض، ومحمد بالنسبة إليّ ليس رسما كاريكاتوريا من قلم رسام خرف. محمد بالنسبة إلي هو القدوة الحسنة، وأمتلأ فخرا إذا نعتني أحد بالمحمدي (Muhammadaner) – العبارة التي اطلقها يميني متطرف على المسلمين ظنا منه أنه بذلك يقلل من شأنهم.

نعم، وسياسيا وتاريخيا، فأنا أشعر باحترام عميق للملكة مارغريتا الثانية، وبتقدير كبير لشخصها ودورها في المجتمع الدنماركي، ومثل أي دنماركي أجلس أمام شاشة التلفزيون ليلة رأس السنة لأستمع إلى خطابها السنوي المليء بالدفء والمحبة. إنها هي وأسرتها تعني لي شيئا مهما، فهي رأس الدولة التي أتمتع بالمواطنة فيها. ولكن ماذا يعني لي ملوك الدنمارك في العصور الوسطى، أو الفايكنغ؟ لا شيء. أنا تاريخي هو خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي، وسليمان القانوني. بالمقابل فإني أشعر باحترام وإجلال شديدين لأجيال من الدنماركيين كافحوا من أجل أن تكون الدنمارك ما هي عليه اليوم. أنا تكيفت بشكل ناجح في هذا المجتمع.

الحلقة الأولى:

د. عمر ظاهر

د. عمر ظاهر كاتب دنماركي من أصل عراقي. أستاذ اللغة العربية في جامعة أورهوس (2005-2011)، وفي جامعة جنوب الدنمارك (2011-2019). له مؤلفات عديدة باللغتين العربية والدنماركية، منها: تأملات في فلسفة اللغة: خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها (2008) حول موضوع لغة الأم (بالدنماركية) (2016)
زر الذهاب إلى الأعلى
Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock