أزمة المنك: خسائر الحكومة وأرباح المعارضة


الضجة الاعلامية والسياسية التي تتفاعل في الدنمارك منذ عدة أيام بسبب قرار إبادة حيوانات المنك، وعدم وجود غطاء قانوني لهذا القرار، سوف لن تتوقف باعتذار من رئيسة الحكومة أو من وزير المواد الغذائية، وقد تحتاج الى كبش فداء. وهي حقاً أشد أزمة سياسية واجهتها الحكومية منذ قيامها في العام الماضي.

إهتزاز الثقة
 رئيسة الحكومة مصرة حتى الآن، على تجاوز هذه الأزمة بدون خسائر إضافية، وحصر آثارها في أضيق الحدود. لكن الخسائرالتي تكبدتها الحكومة حتى الآن لا يستهان بها،  وهي أولاً إهتزاز ثقة الناس بالحكومة الحمراء، وبرئيستها ميته فريدريكسن،  وثانيا حصول المعارضة البرجوازية المتربصة على قضية مثالية للضغط على رئيسة الحكومة وإحراجها. فهي المستهدف الأول بهذه الضجة التي لها طبعاً ما يبررها. وسبب هذا الاستهداف الذي لم يعد خافياً، هو ما حققته ميته من انتصارات عديدة خلال أزمة كورونا، بقراراتها ومبادراتها الجريئة والسريعة، التي استحوذت على إعجاب الناس وتأييدهم من مختلف الطبقات الاجتماعية والانتماءات السياسية. وهذا ما ضايق المعارضة كثيراً وأزعجها على الدوام وجردها من أسلحتها الاعلامية والسياسية.

البحث عن المكاسب
 لكن تعاطي المعارضة مع أزمة المنك، خلال الأيام القليلة الماضية، يبدو من حيث المبدأ تعاطياً تقليدياً متوقعاً. فمن حق المعارضة أن تراقب الحكومة عن كثب وأن تنتقد خططها وإجراءاتها، وتطرح خططا بديلة لخطط الحكومة، وتكشف أي خطأ يقع فيه هذا الوزير أو ذاك. فهذا دورها التقليدي وواجبها البرلماني والسياسي.  لكن ذلك لا ينفى بحثها عن المكاسب السياسية. وفي نفس الوقت لا يصل بها الى حد التشهير والتسقيط لأغراض انتخابية. فالنموذج الأمريكي ليس مستحباً هنا في الدنمارك حتى الآن. لذلك إذا بالغت المعارضة في استغلال أزمة المنك، فإنها ستخسر كثيراً، خصوصاً وأن الحكومة قد بررت كل إجراءاتها ومبادراتها السابقة، بعاملين أساسيين وهما صحة الشعب من جهة ومصالحه الاقتصادية من جهة أخرى،  وعندما يصبح الاختيار حتمياً بين صحة الشعب واقتصاده،  فإن الحكومة أثبتت أنها تختار الصحة، وتبادر في نفس الوقت الى معالجة الأضرار والعواقب الاقتصادية. وما حدث أخيراً في قضية المنك لا يشذ عن هذه القاعدة. فقرارها بإبادة الملايين من حيوانات المنك  جاء مقرونا باستعدادها لتقديم تعويضات هائلة لأصحاب المزارع المتضررة، وكل العاملين في هذا القطاع. وقد أيد الشعب بشكل واسع، هذه السياسة التي تعطي صحة الشعب الأولوية، وتعالج في نفس الوقت الآثار الاقتصادية المترتبة على هذه الأولوية.
 
لذلك فأن خروج المعارضة عن هذه المعادلة بين الصحة والاقتصاد، سيظهرها بأنها لا تبالي بصحة الناس وتنحاز الى جانب مصالح ناخبيها الاغنياء،  في وقت تواجه فيه البلاد وباءً قاسياً.

ومعلوم أن بعض أحزاب المعارضة، كما هو حال أحزاب اليمين المتطرف، ستستغل أزمة المنك لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالحكومة، حتى إذا كان ذلك على حساب صحة الشعب ومصالحه،  لكن هذا لا ينطبق على أحزاب معارِضة أخرى مثل حزبي المحافظين والفنسترا الليبرالي وهم الاقوى في التكتل الأزرق. ومن المتوقع ان تستخدم أحزاب المعارضة هذه الأزمة كعامل ضغط إضافي، لتحقيق مكاسب في مفاوضاتها الجارية حالياً مع الحكومة حول موازنة العام القادم وتعويضات مزارع المنك وقضايا أخرى.

مع الدستور ومع الحكومة
أما أحزاب الموالاة فلابد أنها ستثبت حرصها على الدستور والقانون، وهذا ما فعلته.  فقد استنكرت خطأ الحكومة في قضية المنك، ودعا بعضها الى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة.  لكنها عموماً مع قراراتها الصحية والاقتصادية، وهي تعرف جيداً حجم ومساحة المناورة السياسية التي تقوم بها المعارضة لإلحاق الضرر بالتحالف الأحمر، ولذلك فإنه من الطبيعي ان تساند الحكومة في هذه الأزمة، وتمتص ضغط المعارضة.

خلاصة القول أن هذه الأزمة ستأخذ أبعاداً أخرى، وربما ستكلف الحكومة كثيرا، لكنها كما اعتقد، لن تسقطها، لان معظم الأحزاب البرلمانية لا تريد انتخابات مبكرة في هذه الظروف الحرجة. 

اظهر المزيد

محمد حمزة

صحفي عراقي. عضو اتحاد الصحفيين الدنماركيين. عمل في الصحافة العربية في لبنان وسوريا. ساهم في تأسيس واصدار وتحرير عدد من الصحف والمواقع العربية في الدنمارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: