الاندماج .. أن أكون دنماركيا أو لا أكون


بمجرد أن يُطرح السؤال عن الاندماج في مجتمع جديد، نجد أنفسنا نخوض في حديث ذي طابع سياسي، وثقافي، وقانوني، وربما نفسي أيضا. ورغم أن أطر الحديث قد تبدو لبعض الناس واضحة ومحددة، إلا إن من الصعب إطلاق الأحكام العامة، فالمسألة تتعلق بالتجربة الشخصية لكل فرد، وبظروفه، وفي آخر المطاف بطريقة تفكيره. ولهذا فنحن بحاجة إلى سماع قصص وآراء كثيرة عن هذا الموضوع، وليس مجرد بضع مقالات تعالج هذا الجانب أو ذاك من قضية ذات أهمية كبيرة جدا، أولا وأخيرا بالنسبة إلى الذين جاؤوا إلى هذا البلد، على الأغلب هاربين من بلدانهم، أو بلدان أشقائهم العرب. 

لقد بدأ العرب بالوصول إلى الدنمارك بشكل ملحوظ، أي بشكل جماعي وليس فردي، منذ سبعينيات القرن الماضي. وخاضوا منذ ذلك الوقت غمار تجارب عميقة في التعرف على ثقافة جديدة والتكيف معها ومع مفاهيمها العميقة الجذور، فمنهم من تمكن من كسر الحواجز، وبناء حياة مستقرة، والعيش في سلام ووفاق مع المحيط الجديد، وهناك من لم يستطيع تجاوز الحواجز، وأولها حاجز اللغة، فبقي يعيش في عالم منفصل عن محيطه وواقعه، تملؤه مواقف متشائمة عمادها إلقاء اللوم على المجتمع، واعتباره منغلقا لا مكان فيه للغرباء.

واحة سلام في عالم يعج بالمصائب
في الحقيقة يجب أن تكون مسألة الاندماج قد حسمت بالنسبة للأغلبية الساحقة منا، فالسفن التي وصلنا بها إلى هنا احترقت، فلم يعد أمامنا إلا أن نندمج في هذا المجتمع، أو نندمج فيه. لم نرَ حتى الآن عربيا جاء إلى الدنمارك، ثم فضل أن يعود ليعيش في بلد عربي، فالكل يتشبث بالبقاء هنا. لكن، والحق يقال، نجد بعضا من العرب يعيش في الدنمارك وهو لا يعيش في الدنمارك، فهو لا يخطو خطوة واحدة نحو هذا المجتمع الذي يدرك تماما أنه واحة سلام بالنسبة له في عالم يعج بالعدوانية والمصائب. وهو يلقي في الوقت نفسه تبعية كل فشل يواجهه على عاتق المجتمع.

أعتقد أن أكبر خطوة يخطوها المرء على طريق الاندماج تأتي عندما يتحرر الإنسان من ذاته، أي لا يجعل كل الأمور تدور حول ذاته وكأنه هو مركز العالم. الحياة في الدنمارك والاندماج في المجتمع الدنماركي لا يتعلقان بنا، نحن الذين اتخذنا قرار المجيء إلى هنا. إن الأمر، في آخر المطاف، متروك لأجيالنا القادمة.

د. عمر ظاهر

شخصيا، وبعد خمس وثلاثين سنة من الحياة في الدنمارك تجاوزت خلالها حتى الجدال في هذا الموضوع، أجد بين الحين والآخر السؤال القديم يتجدد، وهناك من يريد أن يعرف إن كنت أشعر أني اندمجت في هذا المجتمع، أو أني صرت أشعر أني دنماركي. والجواب هنا، لنكون واقعيين، ليس “نعم” أو “لا”، بل، كما يقال، الحديث ذو شجون. إن من يجيب عن هذا السؤال ليس لسان الشخص الذي يوجَه إليه السؤال، بل واقعه. والواقع له منطقه الخاص الذي لا يقاوم. أنا ولدت في مدينة صغيرة في محافظة ديالى في العراق، وكنت في العاشرة من عمري حين هربت أسرتي إلى بغداد خوفا عل إخوتي الكبار من “أعداء الشيوعية”. ثم بعد تسع عشرة سنة هربت أنا مع زوجتي وطفلتي من بغداد من أعداء الشيوعية مرة أخرى. وعشت أربع سنوات في سورية. ومن خمس وثلاثين سنة أعيش في مدينة أودنسة. ولم أعد إلى بغداد منذ ما يقارب الأربعين سنة، ولو تجرأت وعدت إليها – وفي قلبي شوق إلى بغداد التي عرفتها، وليس بغداد الخراب الطائفي، فلن تكون العودة إلا للوقوف على الأطلال.

أكبر خطوة على طريق الاندماج
ماذا حصل في كياني، وفي عقلي، وفي نفسيتي، خلال الخمس وثلاثين سنة من الحياة في الدنمارك؟ الله وحد يعلم. أما أنا فأعرف أن الأمر لم يعد يتعلق بشخصي، وعلى ما جئت منه من تاريخ وثقافة، بل على من جئت بهم إلى هنا، أولادي، فهذا البلد هو بلدهم، وهذا المجتمع هو الذي يجب عليهم أن يعيشوا فيه بسلام وانسجام. أما أنا فأعيش في سلام ووئام مع وسطي الدنماركي، ويندر أن ألقى عدوانية من شخص دنماركي. وأعرف أيضا أن أبنائي، ورغم كل ما بذلت من جهد لأعلمهم العربية، يجيدون الدنماركية فهي لغتهم الأولى. والعربية يتكلمون بها معي ومع أمهم فقط. وأعرف أن أحفادي سيتكلمون الدنماركية، والفيتنامية، والانجليزية، والفرنسية، والألمانية بطلاقة. وقد يدفع الفضول بعضا منهم ذات يوم، عندما تسمح الظروف، إلى زيارة بغداد ليروا المدينة التي جاء منها جدهم وجدتهم. ومن يدري فقد يدفع الحنين إلى الجذور آخرين منهم إلى تعلم العربية.

أعتقد أن أكبر خطوة يخطوها المرء على طريق الاندماج تأتي عندما يتحرر الإنسان من ذاته، أي لا يجعل كل الأمور تدور حول ذاته وكأنه هو مركز العالم. الحياة في الدنمارك والاندماج في المجتمع الدنماركي لا يتعلقان بنا، نحن الذين اتخذنا قرار المجيء إلى هنا. إن الأمر، في آخر المطاف، متروك لأجيالنا القادمة. إن أولادنا الذين تكون الدنماركية لغتهم الأولى لن يكتفوا بالاستماع إلى آرائنا، وأفكارنا، ومواقفنا، بل إنهم عاجلا أو آجلا سيتخذون قراراتهم بأنفسهم على ضوء فهمهم الذي لا بد أن يختلف عن فهمنا، والذي يكون، بصراحة، أكثر عمقا ومواكبة للعصر. لن ينفعنا في شيء أن ننغلق على عالمنا الضيق، فأولادنا يعيشون في العصر الرقمي، ويتطورون وفقا لمنطقه، ويتجاوزوننا في كل لحظة. والحفاظ على علاقة جيدة معهم مسؤوليتنا نحن. وتماما مثلما لن نستطيع جعلهم يتكلمون العربية على نفس مستوى أولاد أعمامهم وأخوالهم في بلداننا القديمة، فإننا لن نستطيع جعلهم يفكرون مثل أولاد الأعمام والأخوال أولئك، ولا حتى أن يفكروا مثلنا. علينا أن نؤمن بما قاله ذات يوم جبران خليل جبران بأن أولادنا لا يأتون إلى العالم منا، بل من خلالنا.

ولائي للدنمارك
كما قلت، فليس لساني من يجيب عما إذا كنت قد صرت دنماركيا، وإنما الواقع. ولو تُرك الأمر للساني فلن أتردد لحظة في القول أني دنماركي من أودنسة. إنه ليس فقط عدد السنين التي عشتها هنا. هناك واقع لا حدود له، فأنا أحمل رسميا الجنسية الدنماركية، والدنماركية فقط، وولائي للدنمارك لا يتوقف فقط على القسم كمواطن في هذا البلد، بل هناك أيضا شعور عميق بأني لا يمكن إلا أن أكون وفيا لبلد لا أشعر بالإطمئنان إلا في ربوعه. إن أساس شعوري بالأمان في هذا العالم القاسي هو كوني مواطنا دنماركيا. القانون، وسيادة القانون، ودولة القانون. هذه تعابير أؤمن بها بعمق، وأؤمن أن المجتمع الدنماركي هو أفضل تجسيد لهذه المفاهيم.

سننشر الحلقة القادمة من هذه السلسلة يوم الجمعة الموافق 11 سبتمبر/أيلول 2020

نعم اوافق على الشروط *

د. عمر ظاهر

د. عمر ظاهر كاتب دنماركي من أصل عراقي. أستاذ اللغة العربية في جامعة أورهوس (2005-2011)، وفي جامعة جنوب الدنمارك (2011-2019). له مؤلفات عديدة باللغتين العربية والدنماركية، منها: تأملات في فلسفة اللغة: خصوصية اللغة العربية وإمكاناتها (2008) حول موضوع لغة الأم (بالدنماركية) (2016)
زر الذهاب إلى الأعلى
Are you sure want to unlock this post?
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock