تحليل: من المُنتصِر في خطة إعادة فتح المجتمع: الصحة أم الاقتصاد أم كلاهما؟


بعد اجتماعات مطولة مع قادة الأحزاب البرلمانية توصلت رئيسة الحكومة يومي السابع والثامن من شهر مايو/ أيار الجاري الى اتفاق جماعي حول المراحل الثلاث المتبقية من خطة إعادة فتح المجتمع، والتراجع عن معظم إجراءات كورونا. وكانت المرحلة الأولى من الخطة الرباعية قد بدأت في 15 أبريل/نيسان الماضي، عندما سمحت الحكومة لأكثر من عشرين مهنة حرة ومجال عمل بمزاولة نشاطها كالمعتاد، وللأطفال الصغار بالعودة الى الحضانات والروضات والمدارس حتى الصف الخامس الابتدائي.

من أجل إنعاش الاقتصاد
وإذا نظرنا الى المرحلة الأولى من عملية التراجع، ومن منظور اقتصادي بحت،  سنلاحظ على الفور أن تلك المهن التي سٌمِح لها بفتح أبوابها ثانية، شكلت باغلاقها طيلة الفترة الماضية، عبئاً ثقيلاً على خزينة الدولة وعلى حزم المساعدات التي أصدرتها، لأنهاجميعا كانت مشمولة بنظام تعويضات الرواتب، وتعويضات النفقات الثابته وغيرها.

“لا شك ان الحكومة والسلطات الصحية تدرك بأنها عادت بالبلد الى استراتيجية الإحتواء التي اتبعتها قبل إجراءات الإغلاق. ولكي تقلل من العدوى قدر الامكان أتخذت السلطات الصحية إجراءات وقائية مشددة، ستتبعها مجمعات التسوق والمقاهي والمطاعم ودور العبادة وغيرها من الأماكن المشمولة بالمرحلة الثانية من خطة إعادة الفتح”

محمد حمزة

لذلك كانت إعادة فتحها تدعم مباشرةً جهود الحكومة في إنعاش الاقتصاد، وتوفير مبالغ طائلة على خزينة الدولة. هذا في الجانب الاقتصادي، أما في الجانب الصحي فقد سجل معدل انتشار العدوى ارتفاعاً متوقعاً من 0,6  إلى  0,9 حسب بيانات معهد الأمصال ليوم 29 أبريل/نيسان الماضي. ومع أن هذا الإرتفاع لا يعني بالضرورة ازدباد معدل الإصابات اليومي، لكنه يشكل تحذيراً لابد من أخذه بعين الاعتبار. وتكشف الأرقام الأخيرة لعدد الإصابات والوفيات ونزلاء المستشفيات، أن المرحلة الأولى من خطة إعادة الفتح، لم تقفز بالعدوى بل سجلت معدلاتها إنخفاضاً ملحوظاً.

عودة القطاع الخاص
في المرحلة الثانية من خطة إعادة الفتح ستسمح السلطات لمراكز التسوق الكبرى والصغرى والمحال التجارية بالعمل اعتباراٌ من 11مايو/أيار الجاري. أما المطاعم والمقاهي والحانات فستفتح أبوابها ثانية بعد أسبوع من ذلك التاريخ، مع استمرار حظر التجمع لأكثر من عشرة أشخاص. وبذلك تكون معظم مواقع العمل في القطاع الخاص قد عادت الى العمل، وهذا يعني أن الحياة الإقتصادية في البلد ستشهد دفعة قوية الى الأمام. فعشرات الٱلاف سيعودون الى العمل، ولن يحتاجوا بذلك لتعويضات الراتب التي رصدتها الحكومة، وسيبدأ صرف ملايين الكرونات في السوق المتعطشة، وستستقبل خزينة الدولة واردات الضرائب من هذا القطاع الحيوي. كل ذلك سيحرك عجلة الاقتصاد، وسيبعد شبح البطالة عن الٱلاف، وسيقلل الخسائر الإجمالية المتوقعة.

ولكن ماذا عن صحة المواطنين وتوقعات انتشار العدوى؟ وهل ستسجل أرقام الإصابات والوفيات قفزات خطيرة؟

وقاية مشددة وخسائر متوقعة
لا شك ان الحكومة والسلطات الصحية تدرك بأنها عادت بالبلد الى استراتيجية الإحتواء التي اتبعتها قبل إجراءات الإغلاق. ولكي تقلل من العدوى قدر الامكان أتخذت السلطات الصحية إجراءات وقائية مشددة، ستتبعها مجمعات التسوق والمقاهي والمطاعم ودور العبادة وغيرها من الأماكن المشمولة بالمرحلة الثانية من خطة إعادة الفتح. ومن أهمها استمرار التباعد الاجتماعي ومنع التجمعات والنظافة الشخصية والعامة، وكل ما من شأنه أن يحافظ على معدل الإصابات والوفيات في مستوياتها الحالية، ويبقي الجهاز الصحي في البلد قادراً على استيعاب التطورات الوبائية المتوقعة. لكن لا الحكومة ولا السلطات الصحية تستطيع أن تعطي ضمانات كاملة في هذا المجال، ولعل هذا هو الذي دفع رئيسة الوزراء الى القول بأنها ستلغي خطط إعادة الفتح إذا ساء الوضع الوبائي كثيراً. لذلك فإن أرقام الوباء التي ستسجل في أواخر مايو/أيار الجاري، ستكون خير دليل على نجاح أو فشل المرحلة الثانية، وفي ضوء تلك الأرقام سيتقرر مصير المرحلة الثالثة التي من المقرر أن تبدأ في الثامن من شهر يوليو/حزيران القادم.

خلاصة الموضوع المنطقية تفيد بأنه إذا كانت إجراءات الإغلاق قد تسببت بخسائر اقتصادية فادحة وفوائد صحية عظيمة، فإن إجراءات إعادة الفتح ستسبب حتماً فوائد اقتصادية كبيرة، ولكنها لن تسبب بالضرورة خسائر بشرية فادحة. فقد ازدادت كثيراً خبرة السلطات السياسية والصحية والمواطنين بالوباء وبالوقاية منه ومعالجته. كل ذلك يشجعنا على القول، إجابةً على سؤالنا أعلاه، بأن الصحة والاقتصاد يربحان معاً معركة كورونا في الدنمارك.

اظهر المزيد

محمد حمزة

صحفي عراقي. عضو اتحاد الصحفيين الدنماركيين. عمل في الصحافة العربية في لبنان وسوريا. ساهم في تأسيس واصدار وتحرير عدد من الصحف والمواقع العربية في الدنمارك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: