السياسي… فضيحة في الصحافة السويدية

أن تطالع صور أحد أعضاء الحكومة وسياسيّيها البارزين في الصحف السويدية، لا يعني غالباً سوى أن هناك فضيحة متعلقة بصاحب الصورة! عكس ما دأبت عليه الصحف العربية، وخصوصاً الحكومية منها، إذ تخصص مساحات واسعة وفسيحة لمناقب الرؤساء والزعماء والوزراء، يصولون ويجولون فيها كما يشاؤون.

وهكذا تحولت «الفضيحة» التي قصمت ظهر رئيس «الحزب الديموقراطي الاشتراكي» هوكان يوهلت وحزبه العريق حول استغلاله البرلمان وأخذ مبالغ إضافية لدفع إيجار شقته، ومن ثم إقالته، مادة دسمة غذت أوردة الصحافة السويدية بكل ألوانها وأشكالها. والمشوّق في الموضوع أن الصحيفة التي كانت الأولى في نقل «الفضيحة» هي صحيفة «افتونبلادت» القريبة من أفكار الحزب الاشتراكي ذاته!

ثقافة الصحافة السويدية والدول الإسكندينافية عموماً، ثقافة مدنية بحتة، تهتم في شكل كبير بالمواطن وحياته، وتسرد في شكل إنساني جميل ما يتعرض له المواطن (نساء وأطفال ورجال) من مصاعب تعيق سير حياتهم في شكلها الاعتيادي، فضلاً عن الأبعاد الإنسانية المخفية وراء كل قصة تنشر. وتعمل الصحافة السويدية على تشخيص الأخطاء بأسلوب سردي شيق، ما يجعل منها قصة متكاملة، ولعل هذا ما يجعل الإقبال على قراءة الصحف كبيراً جداً. فخلف كل عنوان تقف أحداث حقيقية، موثوقة وذات صدقية، تهم القارئ بصفته مواطناً عادياً بسيطاً، بل إن قراءة الصحف أو الاطلاع عليها صباح كل يوم في المنزل مع وجبة الفطور أو في الطريق إلى العمل، يعد من ثقافة المواطن السويدي، يجدولها في الأعمال الصباحية التي اعتاد فعلها مثل تنظيف الأسنان.

وبعيداً من الأطر المزركشة، بعبارات التمجيد والتعظيم التي تكتب فيها الصحافة العربية أخبار الرؤساء والزعماء والسياسيين البارزين، وكأنهم قادمون من كوكب آخر غير كوكب المواطن، تتناول الصحافة السويدية أخبار السياسة والسياسيين من جهة تأثيرها في المواطنين وتداعيات ذلك على الوضع العام في البلد. فتسليط الضوء على قضية يوهلت و»استغلاله» البرلمان، لم يكن الهدف منها مبلغ الـ 130 ألف كرون، المطالَب بإرجاعها إلى الحكومة، بقدر ما يعنيه ذلك من استغلاله منصبه لـ «الاحتيال»، وهي صفة كريهة لدى العامة، فكيف إذا كانت لصيقة بسياسي يترأس حزباً توصف شعبيته بالأوسع بين الأحزاب السويدية؟

مواضيع دسمة

تثير المواضيع التي تتناول قضايا الإنسان المعاصر، قريحة الصحافة والقراء في الوقت ذاته، ومنها ما جرى أخيراً من اهتمام الصحافة بمجريات قضية طبيبة سويدية اتهمت بموت طفلة لم يتجاوز عمرها بضعة أشهر بسبب جرعة دواء زائدة، أو لأمور أخرى مثل موت شخص ما بسبب تأخر وصول سيارة الإسعاف إليه، أو سوء المعاملة أو العنف المتبع ضد النساء والأطفال، ومواضيع أخرى مشابهة. ربما هذا النوع من المواضيع لا يثار كثيراً في الصحافة العربية، لجهة اختلاف المـفاهيم والنظرة إلى الإنسان من جهة، ولحدوثها يومياً تقريباً أمام أنظار المجتمع، كما أنها لا تناسب ذائقة القارئ، إذ يرى بعضهم في نشر مثل هذه القصص كشفاً للمستور!

طالع أيضا  سفير سعودي جديد في الدنمارك.. محمد الحديثي يقدم أوراق اعتماده للملك فريدريك العاشر

يصف المشرف العام على موقع «عنكاوا كوم» الإلكتروني (العامل في السويد) أمير المالح الصحافة السويدية بـ «الحرة والمحايدة»، وبأنها ذات سلطة خاصة تهابها كل مؤسسات الدولة بمسؤوليها. وما يزيد في صدقيتها أنها مستقلة وغير مدعومة حزبياً أو حكومياً، بل تعيش على الإعلانات التي تكسبها من خلال الانتشار الذي تحققه، ما يحملها مسؤولية كبيرة في صدقية ما تنقله من أخبار وقصص بغية كسب مزيد من القراء والأرباح التجارية.

ويرى المالح أن الصحافة السويدية تراقب عن كثب كل تحركات الشخصيات البارزة والرسمية في البلد، باعتبارها «قدوة» وتصرفاتها يجب أن تتناسب مع المناصب التي تتقلدها، مذكراً بالاهتمام الكبير الذي تناولت فيه الصحافة صورة رئيس الوزراء السويدي كارل بيلد (وزير الخارجية حالياً) وقد ظهر فيها مهملاً تسوية «سحّاب» بنطاله خلال لقاء رسمي جمعه ومسؤول أوروبي رفيع.

آراء ساخرة

اختلاف القيم والثقافات بين المهاجرين العرب والسويديين، وبالتالي بين الصحافة في الحالين، تولّد أحياناً ردوداً وآراء طريفة يعبر عنها أصحابها بطريقة «ساخرة». فقد علق أحدهم على يوهلت عبر موقع «فايسبوك» بأنه لم يكن ذكياً بما فيه الكفاية، وأنه جازف بمستقبله السياسي في مقابل «مبلغ بسيط»، بينما كان الأجدر به أن يتعلم من بعض الدول العربية كيف يكون الفساد والاحتيال.

ولا يخرج التعليق عن نطاق سخرية المهاجرين مما آلت إليه الأوضاع في أوطانهم، فيما تتنافس الدول المتقدمة في شفافيتها وعلنيتها بطرح «موبقات» سياسيها، الذين يبدون حذرين جداً من كل تصرف أو حديث ينطقون به، فلا وعود في غير مكانها ولا إفصاح عن معلومات غير مؤكدة.

وتلعب الصور دوراً مهماً في منح المادة قوة إضافية. فصور يوهلت المنشورة مع التقارير الإخبارية المتابعة لـ «فضيحته»، تصوّره في شكل «أبله» وغير مدرك لعواقب فعلته، ما دفع أحدهم إلى التعليق ساخراً: «لستَ في حاجة إلى تقليد البلاهة. يوهلت، شكلك يفي بالغرض»!

طالع أيضا  الدنمارك تعيد فتح سفارتها في دمشق.. عودة السوريين طوعياً وترحيل من لا يملكون حق الإقامة ضمن الأولويات

ومنذ اذار العام الماضي 2011، بدأت اعداد السوريين الوافدين الى السويد بالتزايد، وهي زيادة شكلت علاقة طردية مع تدهور الاوضاع في سوريا، ما اجبر دائرة الهجرة السويدية، المعروفة بتصلبها في نهاية الامر على اصدار قرار، بوقف تسفير السوريين المرفوضة طلبات لجوئهم في السويد.

في السابق، لم يخطر على بال برهان البالغ من العمر 24 عاماً، ترك ضيعته يوماً، بل انه لم يفكر في هجرة سوريا ، لكن الاهوال التي صادفته وعائلته، اجبرته على ذلك.

ويقول برهان لوكالة انباء كردستان(آكانيوز) ان “شقيقه الذي يكبره سناً، والذي كان ملتحقا بقوات جيش الأسد، اختفى منذ عدة أشهر، ولم تفلح المحاولات الواسعة التي قامت بها عائلته واقاربه من ايجاده، ما اثر على الوضع الصحي لوالدته التي تعيش الان مع شقيقته لوحدهما”.

ويقيم برهان، الان في احد مراكز اللاجئين، المنتشرة في جميع المدن السويدية تقريبا. وهي مستقر كل لاجىء يصل الى السويد في البداية، في حال لم يكن لديه اهل او اصدقاء يبدون استعدادهم لاستقباله، لحين بت دائرة الهجرة في طلبه الذي لا يقبل غير احد الاحتمالين، ام قبوله كلاجىء او رفضه، وكلا الحالتين تحددهما القصة التي يتقدم بها طالب اللجوء والمستمسكات التي تعزز وتسند ما يتحدث به.

وقبل وصوله الى السويد مع شباب اخرين عن طريق احد السماسرة، في رحلة لا تخلو من مخاطر، مر برهان بعدد من الدول، وعند سؤاله عن كيفية وصوله الى السويد، يجيب ” جلسنا في السيارة لساعات طوال ومررنا بأماكن عدة. كان الله كريم معنا ولم نصب بمكروه، رحلتنا كانت آمنة”.

مثل برهان، المئات ممن هجروا سوريا قاصدين دول المنافية القصية، منها السويد، بسبب تفاقم الاوضاع  اللانسانية التي يعيشونها والعنف الذي يسود البلد، منذ اذار العام الماضي 2011. اذ تصف دائرة الهجرة الاوضاع الحالية في سوريا بـ “السيئة للغاية وغير المطمئنة”، وبأنه من الممكن ان تسوء الاوضاع بشكل اكبر قبل ان تتجه نحو التحسن.

طالع أيضا  بشرى للسوريين في الدنمارك.. رحلات مباشرة بين كوبنهاغن ودمشق اعتباراً من 21 سبتمبر

ورغم ان قرار دائرة الهجرة اثار الارتياح بين صفوف السوريين من الذين حصلوا على رفض او الذين ينتظرون قرارا بشأن اقامتهم، الا ان آخرين، وجدوا انه كان الاجدر بدائرة الهجرة، منح الاقامات للسوريين بدل تعريضهم لقلق الانتظار.

ووفقا لدائرة الهجرة السويدية، فان 640 سورياً قدموا طلبات الحصول على اقامة في السويد، العام الماضي 2011، فيما سجل الشهر الاول فقط من العام العام اللحالي 2012، تقديم 120 سورياً على طلب للاقامة، وهي زيادة يتوقع لها الاستمرار في حال تفاقمت الاوضاع في سوريا.

“الهجرة او الموت”…

ويكشف برهان لـ “آكانيوز” انه قرر ترك بلده بعد استدعائه، للانخراط في قوات الجيش السوري، وهو يرى ان ذلك مثل له “رسالة الموت”، خاصة ان تجربة شقيقه الكبير واختفائه بظروف غامضة وما خلفه من آثار سلبية على عائلته وخاصة والدته المريضة، ما زالت حاضرة معه.

ويستطرد برهان “تركت سوريا مجبرا، لم افكر سابقا بهجرتها، كنت مرتاحا بعملي وانا وسط اهلي، ولم اتصور يوما انني سأقصد السويد لاجئاً”.

ولأسباب ما لم يتمكن برهان من الدخول الى المدرسة، ولأجل ذلك لا يجيد القراءة والكتابة، لكنه يتمتع بقدرة رائعة على حفظ خارطة الاماكن والتواصل مع محيطه حتى وان كان ذلك بلغة غير لغته كالسويدية مثلا. كيف ذلك؟

يوضح برهان انه عندما كان في الضيعة وقبل مغادرته سوريا كان يعمل سائق سيارة لتوزيع احتياجات محال بيع المواد الغذائية، وانه بحكم عمله كان يجوب بلدات ومدناً سورية عدة، مستدلا مقصده من خلال الخبرة والتجربة، فقد خبر الطرقات من كثرة تجواله فيها، الامر الذي كان يثير استغراب اصحاب المحال التي كان يمر عليها في كيفية تمكنه من ذلك.

يفكر برهان بطريقة، تعجل حصوله على الاقامة، خاصة انه لا يفكر بالعودة ثانية الى سوريا، وله في ذلك قناعة يرتكز عليها، فهو يرى ان الاوضاع وان تحسنت فأن ذلك سيحتاج الى وقت طويل، وانه خلال تلك المدة لن يفكر برهن حياته بين سندان تفاقم الاوضاع او هدوئها.

المصدر: الحياة اللندنية

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock