الرياضة في الدنمارك.. من أندية الأحياء إلى منصات التتويج العالمية
قد لا تبدو الدنمارك، التي لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، قوة رياضية كبرى إذا قورنت بدول مثل ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا. لكن نظرة أقرب إلى الحياة اليومية للدنماركيين تكشف أن الرياضة تحتل مكانة لافتة في المجتمع، ليس فقط من خلال النجاحات الدولية في كرة القدم وكرة اليد والدراجات والريشة الطائرة، وإنما أيضا من خلال آلاف الأندية المحلية التي تشكل جزءا أساسيا من الحياة الاجتماعية في البلاد.
وتظهر أحدث أرقام هيئة الإحصاء الدنماركية Danmarks Statistik أن الأندية الرياضية الدنماركية سجلت نحو 2.84 مليون عضوية خلال عام 2025 موزعة على أكثر من 11 ألف ناد وجمعية رياضية. وارتفع العدد بنحو 50 ألف عضوية مقارنة بعام 2024.
هذه الأرقام تقدم مفتاحا لفهم الرياضة في الدنمارك: فالرياضة هنا ليست مجرد منافسات وبطولات يتابعها الجمهور عبر التلفزيون، بل جزء من نموذج اجتماعي قائم على الأندية والجمعيات المحلية والعمل التطوعي.
الرياضة جزء من ثقافة الـ”forening”
من يريد فهم المجتمع الدنماركي سيصادف عاجلا أم آجلا كلمة Forening، أي الجمعية أو النادي القائم على العضوية.
ويظهر هذا النموذج بوضوح في المجال الرياضي. ففي المدن الكبيرة والبلدات الصغيرة تنتشر أندية كرة القدم وكرة اليد والسباحة والجمباز والتنس والريشة الطائرة وغيرها، وغالبا ما تعتمد هذه الأندية بدرجة كبيرة على مشاركة الأهالي والمتطوعين والمدربين المحليين.
ولهذا لا يقتصر دور النادي على تدريب الطفل على تسجيل الأهداف أو الفوز بالمباريات، بل يصبح أيضا مساحة للقاء الأطفال والأسر وبناء العلاقات الاجتماعية.
وبالنسبة للقادمين الجدد إلى الدنمارك، يمكن أن يكون الانضمام إلى ناد رياضي واحدا من الطرق العملية للدخول إلى المجتمع المحلي. فاللغة تُمارس بصورة طبيعية، والأطفال يكوّنون صداقات، والآباء يتعرفون إلى أسر أخرى، ويصبح الشخص جزءا من شبكة اجتماعية تتجاوز المدرسة أو مكان العمل.
كرة القدم.. الرياضة الأكثر شعبية
تبقى كرة القدم (Fodbold) الرياضة الأكبر في الدنمارك من حيث عدد الأعضاء المسجلين في الأندية الرياضية.
وبحسب هيئة الإحصاء الدنماركية، بلغ عدد ممارسي كرة القدم المسجلين في الأندية نحو 399 ألف عضو في 2025، بما يعادل 14.2% من عضويات الرياضة المنظمة في البلاد. وجاء الجمباز في المرتبة الثانية بنحو 326 ألف عضو، ثم اللياقة البدنية بنحو 285 ألفا.
ويصف الاتحاد الدنماركي لكرة القدم DBU كرة القدم بأنها “الرياضة الوطنية” للبلاد، مشيرا إلى الدور الذي تلعبه في الجمع بين الأطفال والكبار والمتطوعين والمشجعين في مختلف أنحاء الدنمارك.
وتعود المؤسسة المنظمة لكرة القدم الدنماركية إلى عام 1889، عندما تأسس الاتحاد الدنماركي لكرة القدم. أما أول مباراة دولية رسمية للمنتخب الدنماركي فسجلها الاتحاد عام 1908.
وعلى المستوى الدولي، تبقى بطولة أوروبا عام 1992 واحدة من أكثر اللحظات رسوخا في الذاكرة الرياضية الدنماركية، عندما فاجأ المنتخب الدنماركي أوروبا وتوج باللقب.
وفي العقود التالية، أصبحت مشاهدة مباريات المنتخب جزءا من المناسبات الشعبية، خصوصا خلال كأس العالم وبطولة أوروبا. وتقام غالبية المباريات الرئيسية للمنتخب على ملعب Parken في كوبنهاغن، الذي سيظل الملعب الرئيسي لمنتخب الرجال بموجب الاتفاق الحالي حتى صيف 2028.
كرة اليد.. عندما تصبح الدولة الصغيرة عملاقا عالميا
إذا كانت كرة القدم الأكثر انتشارا، فإن كرة اليد (Håndbold) تمثل إحدى أبرز قصص النجاح الرياضي الدنماركية.
فالمنتخب الدنماركي للرجال أصبح خلال السنوات الأخيرة قوة مهيمنة على اللعبة عالميا. وفي عام 2025 توج المنتخب ببطولة العالم للمرة الرابعة على التوالي، قبل أن يضيف بطولة أوروبا في 2026 إلى سجله، ليصبح في تلك اللحظة حاملا لألقاب أوروبا والعالم والأولمبياد في آن واحد.
ولا تأتي قوة كرة اليد الدنماركية من المنتخب فقط، إذ تنتشر أندية اللعبة في مختلف أنحاء البلاد، وتحظى مباريات الدوري والمنتخبات باهتمام جماهيري وإعلامي كبير.
كما تتمتع كرة اليد النسائية بتاريخ قوي في الدنمارك، وهو ما يجعل اللعبة واحدة من الرياضات القليلة التي تحظى فيها منافسات الرجال والنساء معا بمكانة جماهيرية واضحة.
الدراجات.. أكثر من مجرد رياضة
هناك رياضات يمارسها الناس في أوقات الفراغ، وهناك الدراجة الهوائية في الدنمارك.
فركوب الدراجة جزء من الحياة اليومية، وخصوصا في كوبنهاغن والمدن الكبرى، حيث يستخدم كثير من السكان الدراجة للذهاب إلى العمل أو الدراسة أو التسوق.
لكن هذه الثقافة اليومية انعكست أيضا على الرياضة الاحترافية. فقد حققت الدنمارك خلال السنوات الأخيرة نتائج دولية بارزة في سباقات الطريق والمضمار، وأشار Team Danmark إلى أن عام 2025 شهد تحقيق الدنمارك ذهبيتي بطولة العالم وبطولة أوروبا في سباق المطاردة الجماعية على المضمار، إلى جانب نتائج دولية أخرى في رياضة الدراجات.
وأصبح نجوم الدراجات الدنماركيون من الشخصيات الرياضية المعروفة لدى الجمهور، كما تحظى سباقات مثل Tour de France بمتابعة واسعة.
الريشة الطائرة.. تخصص دنماركي قديم
قد تكون الريشة الطائرة (Badminton) أقل حضورا في الثقافة الرياضية العربية، لكنها تحتل موقعا مهما في الدنمارك.
وتتميز الدنمارك بأنها واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي استطاعت على مدى عقود منافسة القوى الآسيوية الكبرى في هذه الرياضة.
وقد خرجت من الأندية الدنماركية أسماء عالمية عديدة، وأصبحت اللعبة مثالا على قدرة النظام الرياضي الدنماركي على تطوير لاعبين قادرين على المنافسة الدولية رغم محدودية عدد السكان.
وتنتشر صالات الريشة الطائرة في مختلف أنحاء البلاد، ويمكن ممارستها من الأطفال وحتى كبار السن، سواء على المستوى التنافسي أو الترفيهي.
الجري والسباحة واللياقة البدنية
لكن صورة الرياضة في الدنمارك لا تكتمل بالحديث عن المنتخبات والأبطال.
فالجزء الأكبر من النشاط الرياضي اليومي يرتبط بممارسة الرياضة من أجل الصحة والترفيه والحياة الاجتماعية.
وتنتشر مراكز اللياقة البدنية في معظم المدن، كما تحظى السباحة والجري والمشي والجمباز والتنس والبادل وغيرها بإقبال كبير.
وتظهر الأرقام الرسمية حجم هذا التنوع؛ ففي عام 2025 كان الجمباز ثاني أكبر نشاط منظم من حيث العضوية بعد كرة القدم، بينما احتلت اللياقة البدنية المرتبة الثالثة. كما سجلت السباحة واللياقة البدنية أكبر الزيادات في أعداد الأعضاء بين الأنشطة الأكثر شعبية خلال العام.
الأطفال والرياضة
تبدأ العلاقة بالرياضة في الدنمارك في سن مبكرة.
وتوفر الأندية المحلية أنشطة لمراحل عمرية مختلفة، وفي بعض الرياضات توجد برامج للأطفال في سن ما قبل المدرسة.
ولا يكون الهدف في المراحل الأولى دائما صناعة أبطال رياضيين، بل تعويد الأطفال على الحركة واللعب الجماعي والتعاون والالتزام.
وبالنسبة للأسر العربية المقيمة في الدنمارك، قد يكون تسجيل الأطفال في ناد محلي ذا فائدة تتجاوز النشاط البدني نفسه، لأنه يمنح الطفل فرصة للتفاعل مع أطفال آخرين خارج المدرسة، واستخدام اللغة الدنماركية في بيئة مختلفة، والتعرف إلى الثقافة الاجتماعية المحلية.
وهنا تظهر مرة أخرى خصوصية النموذج الدنماركي: النادي الرياضي ليس منفصلا تماما عن المجتمع، بل هو أحد الأماكن التي يتشكل فيها المجتمع المحلي نفسه.
كيف تجد ناديا رياضيا؟
توجد الأندية الرياضية في جميع البلديات الدنماركية تقريبا، وتختلف الأنشطة المتاحة بحسب المنطقة.
ومن الكلمات المفيدة عند البحث باللغة الدنماركية:
Idrætsforening – جمعية أو ناد رياضي
Sportsklub – ناد رياضي
Fodboldklub – نادي كرة قدم
Håndboldklub – نادي كرة يد
Svømmeklub – نادي سباحة
Badmintonklub – نادي ريشة طائرة
Gymnastikforening – نادي أو جمعية جمباز
Kontingent – رسوم العضوية
Prøvetræning – تدريب تجريبي
Hold – فريق أو مجموعة تدريب
Træningstider – مواعيد التدريب
ويمكن البحث عن اسم الرياضة مع اسم المدينة أو الحي، مثل: Fodboldklub + Roskilde أو Svømmeklub + Aarhus.
وفي كثير من الحالات تتيح الأندية للأطفال أو البالغين تجربة حصة أو عدة حصص قبل اتخاذ قرار التسجيل، لكن الشروط تختلف من ناد إلى آخر.
هل ممارسة الرياضة مكلفة في الدنمارك؟
تختلف التكلفة بشكل كبير بحسب النشاط والنادي والعمر.
فالانضمام إلى جمعية رياضية محلية قد يكون أقل تكلفة من الاشتراك في مركز تجاري للياقة البدنية، بينما تصبح بعض الرياضات أكثر تكلفة بسبب الحاجة إلى معدات خاصة أو السفر والمشاركة في البطولات.
وقد تشمل النفقات رسوم العضوية والملابس والأحذية والمعدات والمشاركة في المعسكرات أو المسابقات.
لذلك من المفيد دائما سؤال النادي عن السعر الإجمالي، وليس رسوم العضوية وحدها.
كما يجدر بالأسر التي تواجه صعوبة اقتصادية الاستفسار لدى النادي أو البلدية عن إمكانية وجود دعم لتغطية رسوم الأنشطة الرياضية للأطفال، إذ تختلف برامج الدعم وشروطها من بلدية إلى أخرى.
المتطوعون.. الجنود المجهولون للرياضة الدنماركية
لا يمكن الحديث عن الرياضة في الدنمارك من دون الحديث عن Frivillighed، أي العمل التطوعي.
فجزء كبير من الحياة الرياضية المحلية يعتمد على أشخاص يقدمون وقتهم للنادي: مدرب لفريق أطفال، أب أو أم يساعدان في تنظيم مباراة، شخص يعمل في مجلس إدارة الجمعية، وآخر يتولى تجهيز الملعب أو تنظيم بطولة.
وهذا يفسر جزئيا قدرة بلد صغير على المحافظة على شبكة ضخمة من الأندية. فبحسب الأرقام الرسمية لعام 2025، يوجد في الدنمارك 11,024 ناديا وجمعية رياضية مسجلة ضمن المنظمات الرياضية الرئيسية.
من الرياضة الشعبية إلى نوادي النخبة
إلى جانب الأندية الشعبية، تمتلك الدنمارك نظاما خاصا لدعم رياضة النخبة تقوده مؤسسة Team Danmark، التي تعمل مع الاتحادات الرياضية على تطوير الرياضيين القادرين على المنافسة الدولية.
وتصف المؤسسة مهمتها بأنها تطوير رياضة نخبة على مستوى عالمي مع وضع الرياضي في مركز عملية التطوير.
وقد انعكس ذلك في النتائج الدولية. ففي عام 2025 وحده، حقق الرياضيون الدنماركيون 23 ميدالية في بطولات العالم وأوروبا ضمن الاتحادات والتخصصات التي يتعاون معها Team Danmark وتوجد لها أهداف نتائج محددة، إلى جانب إنجازات أخرى في الدراجات والتنس ورياضات المحركات.
الرياضة طريق مهم إلى الاندماج في المجتمع الدنماركي
بالنسبة للعربي الذي انتقل حديثا إلى الدنمارك، قد يبدو النادي الرياضي في البداية مجرد مكان يذهب إليه الطفل مرتين في الأسبوع.
لكن مع الوقت يمكن اكتشاف أن الأمر أكبر من ذلك.
فالمدرب قد يكون متطوعا، والآباء يساعدون في قيادة الأطفال إلى المباريات، والأسر تتناوب أحيانا على مهام مرتبطة بالفريق، وتقام فعاليات اجتماعية إلى جانب النشاط الرياضي.
وهكذا يصبح النادي مكانا لفهم جانب مهم من طريقة تنظيم المجتمع الدنماركي.
ولذلك، إذا كنت جديدا في الدنمارك وتريد التعرف إلى الناس، فقد يكون البحث عن ناد رياضي قريب فكرة جيدة. وحتى إن لم تتحول إلى بطل أولمبي، فهناك احتمال جيد على الأقل أن تتعلم بسرعة معنى كلمات مثل hold, kontingent وfrivillig.
وربما تكتشف أيضا أن السؤال الدنماركي الشهير: “هل تستطيع المساعدة يوم السبت؟” ليس سؤالا بريئا تماما؛ فقد يعني أنك أصبحت رسميا جزءا من النادي!
الرياضة في الدنمارك بالأرقام
بحسب أحدث بيانات هيئة الإحصاء الدنماركية لعام 2025:
- نحو 2.84 مليون عضوية في الأندية والجمعيات الرياضية.
- 11,024 ناديا وجمعية رياضية في أنحاء البلاد.
- نحو 399 ألف عضو يمارسون كرة القدم ضمن الأندية.
- نحو 326 ألفا يمارسون الجمباز.
- نحو 285 ألفا يمارسون اللياقة البدنية.
- ارتفع إجمالي العضويات الرياضية بنحو 1.8% مقارنة بعام 2024.
ومن المهم الإشارة إلى أن أرقام العضوية لا تعني بالضرورة عدد الأشخاص الفريدين، لأن الشخص المنضم إلى أكثر من جمعية أو نشاط يمكن أن يظهر أكثر من مرة في الإحصاءات.
تكشف الرياضة جانبا مهما من الحياة في الدنمارك. فمن ملاعب كرة القدم الصغيرة في الأحياء إلى صالات كرة اليد، ومن مسارات الدراجات إلى المسابح وأندية الجمباز والريشة الطائرة، توجد شبكة واسعة تجعل ممارسة النشاط الرياضي متاحة لمراحل عمرية مختلفة.
والنجاحات التي تحققها الدنمارك على المستوى الدولي ليست منفصلة تماما عن هذه القاعدة الشعبية الواسعة. خلف المنتخب الوطني أو البطل العالمي توجد أندية ومدربون ومتطوعون واتحادات ومنظومة رياضية تراكمت على مدى عقود.
ولهذا فإن الرياضة في الدنمارك ليست مجرد قصة ميداليات ونتائج.
إنها أيضا قصة مجتمع، وتطوع، وأندية محلية، وأطفال يتعلمون اللعب معا.
وربما لهذا السبب يستطيع بلد صغير نسبيا أن يظهر مرارا بصورة أكبر كثيرا من حجمه على خريطة الرياضة العالمية.