اتفقنا على أن نتفق! الحلقة الثانية

بقلم: د. عمر ظاهر

كان لا بد من الإفتراض بأن النية في إنشاء موقع عربي حسنة بصرف النظر عمن كان وراءها، وأن المشروع يستحق دعماً غير مشروط طالما هناك من يبادر. إن من ينشئ موقعاً الكترونياً يعرف حتماً أنه حتى إن لم يكن مجرد فرد بل تقف وراءه جماعة معينة فلن يستطيع الإدعاء بما يشاء، فالموقع سيكشف هويته من خلال ما ينشر فيه. لكن هناك ما يُسمى بالنبوءة التي تحقق نفسها بنفسها. فلو قاطعنا الموقع (الأمر الذي لا مبرر له) فإنه سينتهي موقعاً لفئة معينة لا تقاطعه – وهذا ليس المطلوب، أما إذا دعمناه وشاركنا فيه جميعاً فإنه يسنتهي موقعاً لنا جميعاً! ثم لماذا يفكر أي شخص في احتكار موقع كهذا؟ ألسنا جالية تواجهها تحديات كبرى؟

ألا ندرك أن مصيرنا في هذا البلد على كف عفريت بين يمين متطرف يتربص بنا ويحلم في إلقائنا إلى الخارج وبين جرائم يريد البعض إلصاقها بنا كمسلمين وتحميلنا العواقب؟ هل هناك شخص أو حزب أو جماعة مستهدفة لوحدها أم نحن مستهدفون جميعا؟ فهل يمكن لشخص أو جماعة واحدة فعل شيء بوحدها؟ نحن بحاجة إلى عمل جماعي لأننا على سفينة واحدة في هذا المحيط الهائج. سننجو جميعاً أو نغرق جميعاً. علينا أن نتكلم عن أنفسنا لأنفسنا وللآخرين، ونبدأ من هنا الحوار مع محيطنا الدنماركي.

كانت عندي شكوك في مدى النجاح المكتوب لهذه التجربة، لكن حين التقيت للمرة الأولى بأحد مؤسسي الموقع نشأت عندي قناعة بأن هذه التجربة ستكون مختلفة. كنت قبل ذلك أفترض أنهم من الجيل الذي جاء إلى الدنمارك في نفس الوقت معي، في الثمانينات. لكني وجدت أمامي شباباً بعمر أولادي، يتميزون بجدية عميقة وعناد لا يلين والتزام صادق بما يؤمنون به. سمعت منهم كلاماً جميلاً يمس شغاف القلب، فهم يريدون إنتشال الإنسان العربي من حال الشعور بالعجز أو الدونية وجعله يؤمن بأنه هو أيضاً يمكن أن يعمل وينجز وينجح، وأنهم يريدون التغلب على النزعة الفردية وجر أبناء الجالية العربية إلى ممارسة النشاط الاجتماعي بروح جماعية. تيقنت من أن الدافع وراء إنشاء هذا الموقع ليس تجارياً، وليس هوساً أو نزوة ستزول عند أول صدمة بالمصاعب، بل إحساس عميق بضرورة إسماع الصوت العربي.

هؤلاء الشباب وضعوا إذن أصابعهم على مكامن الألم في جسدنا العربي، وأمر تقديم الدعم غير المشروط لهم موقف في مكانه. ربما تكون كلمة “دعم” كلمة كبيرة، لكنها بسيطة في معناها، فالواحد منا يمكن أن يدعم هذا الموقع بذكره بخير أمام الآخرين والتفاؤل به، وعدم الحكم عليه مسبقاً، والكف عن التخيل بأن دعمنا له سيجعل هؤلاء الشباب أصحاب المبادرة من أصحاب الملايين، وإذا كان الواحد منا قادراً على الكتابة فليس أفضل من أن يكتب مقالة ويبعثها إلى الموقع ويرى ما سيحدث! إذا كان الواحد منا يظن أن هذا الموقع للسود وحدهم فليس هناك أفضل من أن يرسل إليه مساهمة بيضاء فتقلل، على الأقل، من نسبة السواد على الموقع.

لقد كنت على مدى السنوات الثلاث الماضية شاهداً على ما بذله هؤلاء الشباب من تضحيات، وكيف أنهم صمدوا أمام المصاعب والإحباطات سواء نتيجةَ سلبيةَ الجالية العربية نفسها أو جمود المثقفين العرب أو المحاربة العلنية من الخارج؛ لقد تعرض الموقع لهجوم تخريبي أدى إلى تعطيله.

 

طالع أيضا:

الحلقة الأولى: اتفقنا على أن نتفق

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock