بعد التحية: لسنا ضيوفا يا بيتر
تنشر أخبار الدانمارك في هذا العدد (العدد الحادي عشر) مقابلة مهمة مع الشخصية القيادية الثانية في حزب الشعب الدانماركي المتحالف مع الحكومة، بيتر سكوروب. ومعروف عن هذا السياسي اليميني الواسع النفوذ إضفاء مسحة دبلوماسية على تصريحاتة المعادية للأجانب عموماً وللمسلمين خصوصاً. لكنه في هذه المقابلة يقول كلامه الخطير بوضوح وصراحة. ولعل أهم ما جاء في هذه المقابلة على الاطلاق قوله أن علينا نحن القادمين من دول الشرق الاوسط وباكستان وغيرها، أن نلتزم بآداب الضيافة ونحترم قوانين البلد المضيف.
وقد كرر هذا القول في بداية المقابلة وفي ختامها. ليؤكد نظرته ونظرة حزبه لنا. فالسيد بيتر يعتبر ما يسميه «الأجانب» وما يسميه غيره «الأقليات العرقية»، مجرد ضيوف سيغادرون الدانمارك يوما ما، شأنهم في ذلك شأن أي ضيف عابر. ولذلك علينا أن نراعي شروط الضيافة وأن نعد العدة للرحيل. هذا الكلام الخطير يكشف بشكل واضح جدا الأساس الذي تقوم علية جميع سياسات ومواقف وتصريحات حزب الشعب تجاه «الأجانب»، أو بتعبير صحيح تجاه «الدانماركيين من ذوي الأصول الأجنبية».
فعندما نكون مجرد ضيوف عابرين، فإننا في حقيقة الأمر لسنا مواطنين، وهذا يعني عمليا أننا يجب أن لا نتمتع بأي حق من حقوق المواطنة. وحتى الذين ترعرعوا في هذه البلاد من أبنائنا أو ولدوا فيها وتعلموا في مدارسها وأتقنوا لغتها وحققوا ذواتهم بالتحصيل العلمي والعمل فهم أيضا حسب بيتر سكوروب ضيوف عابرون لا مكان لهم في مستقبل الدانمارك.
هكذا يشطب هذا السياسي النافذ والمحنك على عشرات الالاف من الشباب والأطفال الذي يعتبرون الدانمارك بلدهم الأول والدانماركية لغتهم الأولى، ويعيدهم الى أصول وجذور لا علاقة متينة لهم بها.
إن هذا الفهم الإقصائي لوجود الأقليات العرقية ضمن المجتمع الدانماركي يشكل في حقيقة الأمر إشكالية كبيرة في الأساس السياسي والإيديولوجي الذي يقوم عليه هذا الحزب، كما أنه يعرض مشاريع وسياسات الحكومة إلى الفشل. وهوفي نفس الوقت يثير علامات استفهام كبيرة. فإذا كان الأجانب ضيوفا عابرين لا مستقر لهم في الدانمارك، فلماذا تطالبهم الدولة بالاندماج في المجتمع؟
ولماذا تفتح مشاريعاً كبيرة ومكلفة للدمج الاجتماعي؟ وماذا عن آلاف الشباب الذين بدأوا حياتهم في هذا البلد ويقدم الكثيرون منهم حاليا مساهمات طيبة للمجتمع الدانماركي؟ ولعل ما هو أخطر أن هذه النظرة الإقصائية الفجة تنطوي في حقيقة الأمر على موقف عنصري ظلامي، لا ينتمي بأي حال من الأحوال إلى المجتمع الديمقراطي ومبادئه المعروفة.
من حسن حظ الدانمارك أن بيتر سكوروب ورفاقه لا يستطيعون ضمن موازنات القوة الحالية فرض جميع معتقداتهم الخطيرة وتحويلها إلى قوانين وتشريعات، كما أن القوانين الأوربية تحول دون تطبيق مثل هذه السياسات، وقبل هذا وذاك يرفض التطور الاجتماعي الذي يشهده المجتمع الدانماركي حاليا هذه المواقف والسياسات.
فقد شهد المجتمع الدانماركي خلال السنوات العشرين الماضية تطورات كبيرة في بنيته الاجتماعية والثقافية، حولته الى الأبد من مجتمع أحادي العرق والثقافة، إلى مجتمع متعدد الأعراق والثقافات. هذه التطورات الهائلة لا يريد بيتر سكوروب ورفاقة أن يعترفوا بها. لذلك يعتبروننا ضيوفا عابرين.
لكننا لسنا ضيوفا يا بيتر.
