تشديد المُشَدّد

 طرحت الحكومة وحزب الشعب مشروع تعديل جديد على قانون الأجانب، يتضمن تشديدات إضافية في قواعد جمع الشمل. حيث سيتم اتباع نظام النقاط المعقد على غرار ما هو متبع حاليا في الاقامة الدائمة. وهذا يعني أن جمع الشمل صار صعبا جدا وفي أغلب الحالات غير ممكن. ومعروف أن قانون الأجانب الدانماركي الحالي هو من أكثر القوانين تشددا في عموم أوروبا، وهذا الواقع دفع العديد من خبراء القانون والعاملين في مجالات حقوق الإنسان إلى القول في وثائق رسمية منشورة بأن هذا القانون بنسخته الحالية لا يحتاج إلى تشديدات إضافية لأنه متشدد جداً إلى حد يكاد يتجاوز المعاهدات الدولية ذات العلاقة. وأنه بدلا من ذلك يحتاج إلى التخفيف في معظم فقراته.  

الملاحظ على التعديل الجديد أن بصمات حزب الشعب بدت واضحة جداً عليه، وخصوصا بما فيه من استهداف واضح لناس من دول وثقافات معينة. لكنه لبى أيضا حاجة الحكومة السياسية في هذا المجال وفي غيره. والمقصود هنا أن الحكومة، وبعد الانتكاسات المتكررة التي عانت منها في استطلاعات الرأي جراء سياساتها  اللاشعبية في مجالات الإقتصاد والتعليم والصحة وغيرها، وجراء الأخطاء التي ارتكبها بعض وزرائها، باتت بحاجة ماسة إلى خبطة تشريعية ذات مردود شعبي مضمون، وليس أمامها على ما يبدو إلا مجال الأجانب. فقد أثبتت خبرة السنوات الماضية أن أي تشديد جديد في قوانين الأجانب يحظى بتأييد شعبي واسع بين الدانماركيين. ألم يحقق حزب الشعب اليميني فوزه المتكرر في الانتخابات البرلمانية من خلال برامجه المتشددة مع الأجانب؟.

ولعل خير دليل على شعبية قانون الأجانب وحساسية المجتمع الدانماركي المفرطة تجاهه، هو أن أكبر حزبين في المعارضة البرلمانية، وهما الديمقراطيون الاشتراكيون والشعب الاشتراكي، لم يعارضا التشديدات الأخيرة المقترحة من قبل الحكومة، بل أيداها ووعدا بتقديم موقف موحد منها حال طرحها في صيغتها النهائية. ولم يشكل هذا الموقف مفاجئة كبيرة للكثيرين. لأن الحزبين المذكورين يتطلعان كما هو معروف الى الحكم بعد الانتخابات القادمة، وهما يعرفان أن سياسة الأجانب تلعب دورا كبيرا فيها، وأن التحالف الحاكم وحزب الشعب يستغلان هذه السياسة الى حد كبير.

هذا يعني أن قانون الأجانب سيظل ساحة للصراع بين المعسكرين السياسيين في الدانمارك رغم اقترابهما من بعضهما في الكثير من النقاط الخاصة بالأجانب. ومن شأن هكذا صراع وبهكذا مواصفات أن ينتج الكثير من الإجراءات والتطبيقات المجحفة بحق عدد كبير من الناس، كما هو واضح في التشديدات الأخيرة. فقد صار من غير الممكن تقريبا أن يجمع عرب الدانمارك شمل أقران لهم من بلدانهم الأصلية، إلا إذا لبى الطرفان شروط نظام النقاط المعقد (المشروح بالتفصيل في صفحة 8 و9). ويتضح من قراءة هذا النظام  أن واضعيه استهدفوا أقليات عرقية معينة أكثر من غيرها. وهذا يعيدنا إلى نظرة التمييز والإقصاء والخوف من الآخر التي تحكم تيارات نافذة في المجتمع الدانماركي، نجحت إلى حد كبير في تحويل مخاوفها ونظرتها تلك الى تشريعات وقوانين وإجراءات تطبيقية.

 

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

محمد حمزة

صحفي عراقي. عضو اتحاد الصحفيين الدنماركيين. عمل في الصحافة العربية في لبنان وسوريا. ساهم في تأسيس واصدار وتحرير عدد من الصحف والمواقع العربية في الدنمارك.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock