الدكتور عمر ظاهر في الذكرى الثالثة لإنطلاق الموقع: اتفقنا على أن نتفق!

يوم انطلق موقع أخبار.دك كنت في مكتبي في الجامعة حين اتصلت بي صحفية من جريدة الجامعة (أعني من منبر صوت الجامعة) وطلبتْ إجراء مقابلة قصيرة معي بخصوص هذا الموقع العربي الالكتروني لكي تكتب عنه. قلت لها إن عدم وجود موقع دنماركي باللغة العربية يشكل فراغاُ إعلامياً يملؤه هُراء الجهلة. الجالية العربية بحاجة ماسة إلى مثل هكذا موقع، وهو ضروري جداً لاندماج العرب في المجتمع الدنماركي، وأدعو الجميع إلى دعمه.

في عالم اليوم اكتسب الصوت موقعاً هاماً بين أدوات القوة التي تلعب دوراً مؤثراً في تقرير مصائر الناس، أفراداً وجماعات. “دع صوتك يُسمع، بل دعه يعلو على أصوات الآخرين”، فيعرفك الناس ويعرفون ما تريد أنت أن يعرفوه. إنْ بقيتَ صامتاً فلن يعرف عنك الناس إلا ما يقوله عنك غيرك. لهذا نرى أن الدول تنشئ منابر لأصواتها، والأحزاب والكنائس تفعل ذلك، بل ونرى في العالم المتحضر أنه ما أن يجتمع عدد من الناس لتكوين نقابة أو نادٍ فإن من بين أول ما يفعلونه هو إطلاق موقع الكتروني أو إنشاء صحيفة أو جدارية ليقولوا للعالم من هم وماذا يفعلون وماذا يريدون، وليردوا على من يفتري عليهم، مثلاً.

العرب في الدنمارك ليسوا حزباً، ولا نقابة ولا جمعية أو نادياً؛ إنهم شريحة مجتمعية عريضة ذات موقع متميز في أهميته. هذه الأهمية لها أسباب عديدة، منها أن وجودهم يلقى رفضاً قاسياً من اليمين المتطرف في هذا المجتمع، لأن معظمهم يدين بدين أصبح الافتراء عليه موضة في هذا العالم، ومنها أن جالية عربية منظمة وفعالة في نشاطاتها السياسية والاجتماعية وناجحة في دورها المجتمعي هنا في أوروبا أمر لا يبعث على الراحة والاطمئنان لدى أطراف معروفة خارج الدنمارك، ومنها أيضاً أن وضع هذه الجالية القلق يشكل أرضية خصبة لمشاكل خطيرة. لهذا تكالبت على هذه الجالية أطراف عديدة من مصلحتها تشويه صورتها ومحاربتها بشتى الوسائل، وأولها وأكثرها فعالية وسائل الإعلام. لقد نشأت معظم المشاكل بين الدنماركيين والعرب، أو تضخمت على الأقل، بسبب الإعلام المغرض الذي لا يفتأ يُبرز ويبالغ في إبراز ما هو سلبي في هذه الجالية ويتجاهل كل ما هو إيجابي.

إنه لأمر يبعث الأسى والحزن في النفس أن الفئة المثقفة من العرب فشلت على مدى عقود في إنشاء منبر يُسمع منه صوت الإنسان العربي في هذا المهجر. وهذا هو من صلب مهمات النخبة المثقفة لما لها من إمكانات ثقافية ولغوية. لقد فشلت محاولات وتجارب لإنشاء مثل هذه المنبر من قبل، وكان من بين أسباب الفشل تلك النزعة الغريبة في نفس المثقف العربي إلى محاربة كل ما لا يتطابق مع فكره تطابقاً مطلقاً، والاستنكاف عن كل نشاط لا يكون هو بنفسه في مركزه، ورفض العمل الجماعي. إن تلك النزعة الفطرية وراء هذه الخرافة التي شاعت عنا بأننا ملة “اتفقوا على أن لا يتفقوا”، إذ لا ينفك المثقف العربي يسخر قواه وطاقته للصراعات الجانبية مع أخيه العربي، ويستثمر جهوده في نبذ ومقاطعة مبادرات غيره، بل والافتراء عليها حتى يفشلها! وغالباً ما يبدأ هذا المثقف حربه حتى قبل أن تكون عنده معلومة أكيدة عن طبيعة المبادرة أو المحاولة والتجربة. إن المثقف العربي هو بالفطرة وبالغريزة ضد ما قد ينجزه أخوه. في بلداننا العربية نلقي دائماً اللوم في مصائبنا على مؤامرات تحاك لنا من وراء المحيطات.

إن فكرة المؤامرة ليست خاطئة دائماً، لكن ما هو خاطئ على الدوام هو تبرئة أنفسنا، خاصة نخبنا الثقافية وإعفائها من المسؤولية عما يجري لنا. إن التاريخ يثبت لنا الآن أن نخبنا الثقافية تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عما نعاني منه، وذلك بسبب شيوع روح الأنانية الفردية ورفض الآخر في صفوفها بل في جذورها. والمؤسف المؤسف هو أن هذه النخب نقلت أمراضها المزمنة معها إلى المنفى أو المهجر.

كنت على الدوام، مثل كثيرين غيري، أحلم بوجود منبر يُسمع منه صوت العربي، لكني أعرف أن المهمة ليست سهلة. إنها تحتاج إلى طاقات كبيرة، وإلى الكثير من الحكمة، وإلى الكثير من الصبر، تحتاج إلى نفس طويل للتعاطي أولاً مع المثقفين العرب الذين سيكونون أول من ينبري لمحاربة التجربة وإفشالها! وإلى التعاطي مع وسط عربي سلبي ولا يبالي. ثم إنها ستحتاج إلى الثبات على الحيادية إزاء التيارات الفكرية والدينية والحزبية الموجودة في صفوف الجالية لتستطيع في آخر المطاف اجتذاب الرواد والمشاركين والمساهمين من كل أوساط العرب على اختلاف أقطارهم وانتماءاتهم السياسية والدينية والثقافية، واجتذاب المرأة المبدعة والتعامل معها على قدم المساواة مع الرجل.

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock