محمد السعدي.. كفيف من أصول فلسطينية يشقّ طريق النجاح ويأسر قلوب المشاهدين الدنماركيين بشغفه بالطهي وذكرياته مع رائحة الزيتون

لا تكن آخر من يعرف! مئات من العرب في الدنمارك يتابعون نبض الدنمارك عبر واتساب. انضم إليهم لتصلك الأخبار والمعلومات المهمة أولًا بأول، ولا يفوتك ما قد يهمك. انضم إلى القناة الآن

يتابع الجمهور الدنماركي منذ ثلاثة أسابيع رحلة الشاب الدنماركي من أصول فلسطينية محمد السعدي، وهو يجوب جنوب أوروبا برفقة أربعة مكفوفين آخرين في برنامج «Eventyr i blinde» على شاشة هيئة الإذاعة والتلفزيون الدنماركية DR. وبين مطبخ فرنسي وأشجار الزيتون وأزقة البندقية، تتكشّف حكاية شاب يحب الطعام والسفر، ويريد أن يتعرّف المشاهدون إلى شخصيته ومهاراته، وإلى الحياة التي يعيشها بعيدًا عن التصورات المسبقة عن فقدان البصر.

محمد، البالغ من العمر 33 عامًا وقت مقابلته مع الجمعية الدنماركية للمكفوفين، يعمل مستشارًا في الجمعية ويقدّم محاضرات لتغيير النظرة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية. ويحمل إلى الشاشة رسالة يلخّصها بقوله: «العمى جزء من قصتنا، لكنه ليس القصة كلها».

وتبدأ إحدى حكايات الرحلة بنحو كيلوغرامين من البصل.

حساء البصل.. ومغامرة تبدأ في السوبرماركت

في مطبخ فيلا بمنطقة بروفانس الفرنسية، ينشغل محمد بإعداد حساء البصل لرفاقه. تتصاعد رائحة الزبدة والثوم، ويتعاون الجميع على تجهيز الوجبة. المطبخ جديد عليه، والأدوات والمكونات ليست في أماكن يعرفها، كما اعتاد في منزله.

لكن التحدّي بدأ قبل إشعال الموقد. ففي متجر فرنسي، كان عليه العثور على المكونات دون معرفة ترتيب البضائع أو التحدث بالفرنسية. وبعد عشر دقائق، أخرج هاتفه واستعان بالترجمة، حتى نجح في شراء ما يحتاج إليه.

يصفها بأنها أصعب رحلة تسوّق خاضها، لكنها كانت ممتعة أيضًا. وحين اجتمع الرفاق حول المائدة، أصبحت الوجبة واحدة من أحبّ لحظات الرحلة إليه: فرصة لمشاركة شغفه بالطعام، وأحاديث قرّبت بينهم. هكذا يروي محمد التجربة في مقابلته مع الجمعية الدنماركية للمكفوفين.

طالع أيضا  بعد رحيله بثلاثة أعوام.. «الموت عمل شاق» لخالد خليفة تصدر باللغة الدنماركية

ولشغفه هذا تاريخ يعود إلى عام 2016، حين أسّس مشروع «Madsynet» مع شريكه آنذاك، بعدما تلقّيا تعليمًا في الطبخ للمكفوفين. دفعتهما التجربة إلى البحث عن طرق أبسط وأكثر إبداعًا لإعداد الطعام دون الاعتماد على البصر.

من طعام احترق إلى مشروع يشارك خبراته مع الآخرين

لم تكن البداية أطباقًا ناجحة في كل مرة. يروي محمد بصراحة عن طعام احترق، ومقالي تلفت، وفوضى عمّت المطبخ. ومع التجربة والأخطاء والممارسة، تطوّرت مهاراتهما، وقرّرا مشاركة ما تعلّماه عبر الوصفات والنصائح.

يدير محمد المشروع اليوم بنفسه، ويقول إن ما يقدّمه أصبح يجذب المبصرين أيضًا؛ فالحلول التي تسهّل الطبخ على الكفيف قد تكون مفيدة لكل من يقف أمام الموقد، كما يوضح في روايته على موقع «Madsynet».

ويتيح محمد للآخرين الاقتراب من هذه التجربة عبر نشاط «Mad i mørke» — «الطعام في الظلام». يرتدي المشاركون عصابات على أعينهم ويطبخون تحت إرشاده، ثم يجتمعون لتناول الطعام والحديث عن التجربة والحياة مع الإعاقة البصرية.

تستغرق الفعالية نحو ثلاث ساعات إلى ثلاث ساعات ونصف، وتمزج بين تعلّم الطهي والتفاعل الاجتماعي. يجد المشاركون أنفسهم أمام مهام مألوفة، لكن تنفيذها هذه المرة يتطلّب الانتباه إلى الملمس والرائحة والصوت، بحسب صفحة النشاط.

وفي رحلته التلفزيونية، فتحت الحواس بابًا آخر لمحمد: الذاكرة.

رائحة الزيتون تعيده إلى طفولته

خلال زيارة بستان زيتون، أعادته روائح المكان وملمس الأشجار إلى طفولته وعطلاته في لبنان، حيث كان جدّه لأمه يملك أرضًا تضم أشجار الزيتون والتين والعنب والنخيل. تذكّر صباحات كان يقطف فيها التين الناضج والعنب، وشعر أن المكان أعاده إلى تفاصيل يعرفها جيدًا.

بالنسبة إليه، تصل المدن إلى زائرها عبر أصواتها وروائحها وطعامها وأجوائها أيضًا. يمكن الشعور باختلاف المكان في حركة الناس، ونكهات الوجبات، وأصوات الطيور، والهواء الذي يلامس الوجه.

طالع أيضا  الدنمارك تفتح الباب لفرض قيود على بضائع المستوطنات في الضفة الغربية

ومع ذلك، لم تكن كل محطات الرحلة سهلة. ففي البندقية، واجهت المجموعة صعوبة في العثور على الطريق بعدما عجز نظام تحديد المواقع عن إرشادها بين الأزقة الضيقة والقنوات المائية. كان الحل سؤال المارة والاستعانة بمساعدتهم.

وخلال تسعة أيام، اكتشف المشاركون الخمسة كيف يمكن لخبراتهم المختلفة أن تساعدهم. بعضهم أكثر تمرّسًا بالسفر، ولكل منهم مهارات وتجارب يشاركها مع الآخرين. وبنهاية الرحلة، شعر محمد كأنهم يعرفون بعضهم منذ سنوات.

رسالة تتجاوز شاشة التلفزيون

أما التحدّي الشخصي الذي واجهه، فكان التخلّي عن بعض التخطيط. يحب محمد التنظيم، ويحتاج إليه ليسهّل تنقّله وتعامله مع الأماكن الجديدة. لكن المشاركين لم يكونوا يعرفون دائمًا وجهتهم التالية أو ما ينتظرهم في اليوم اللاحق.

أتاحت له التجربة أن يتمهّل، ويتقبّل شيئًا من المجهول، ويمنح اهتمامه للأشخاص الذين يشاركونه اللحظة، بعيدًا عن إيقاع العمل والمشروعات والانشغالات اليومية.

ويأمل أن يصل أثر البرنامج إلى فرص التعليم والعمل أيضًا. فهو يدعو إلى منح المكفوفين وضعاف البصر فرصة عندما يمتلكون الكفاءة والرغبة في المساهمة، وإلى توفير التعديلات التي تساعدهم على أداء عملهم.

وفي النهاية، يريد محمد أن تتّسع نظرة الآخرين إليه لتشمل اهتماماته وعمله وشخصيته. أن يتحدّثوا معه عن الطبخ والسفر والحياة، وأن يتعرّفوا إلى الإنسان الذي يحمل العصا البيضاء.

ويقول: «أريد أن يُنظر إليّ بوصفـي كفيفًا، لكنني لا أريد أن يُنظر إليّ بوصفـي كفيفًا فقط».

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

أسرة التحرير

أسرة التحرير
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock