بين الأمل والحذر.. كيف تفاعل سوريون في الدنمارك مع زيارة وزير الخارجي الدنماركي إلى دمشق؟

أثارت زيارة وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إلى دمشق وإعلانه إعادة فتح السفارة الدنماركية، تفاعلاً واسعاً بين سوريين مقيمين في الدنمارك. وبينما رأى بعضهم في الخطوة بداية جديدة للعلاقات بين البلدين وفرصة للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، عبّر آخرون عن مخاوف جدية من اختزال الواقع السوري المعقد في خطاب سياسي متفائل، خصوصاً مع حديث الوزير عن عودة السوريين الحاصلين على إقامات مؤقتة.
وفي منشور على فيسبوك، أعلن لوكه راسموسن أن «الدنمارك عادت إلى سوريا»، بعد إعادة افتتاح السفارة في دمشق مع نظيره السوري. وقال إن السلطات الجديدة في سوريا خلقت «أملاً ناشئاً» في تطور أكثر استقراراً، وإن الدنمارك تدعم هذا المسار.
وتحدث الوزير عن سلسلة خطوات لتعزيز العلاقات، بينها العمل على إنشاء غرفة تجارة دنماركية–سورية، وإعداد اتفاق شراكة بين البلدين، وإعادة افتتاح المعهد الدنماركي في دمشق، إلى جانب إطلاق خط طيران مباشر بين كوبنهاغن ودمشق اعتباراً من 21 أيلول/سبتمبر.
كما أكد أن الدنمارك ستواصل العمل من أجل عودة السوريين الحاصلين على إقامات مؤقتة إلى سوريا، مشيراً إلى أن أكثر من ألف شخص عادوا منذ سقوط نظام الأسد. غير أن هذا الجانب تحديداً كان من أكثر النقاط التي أثارت النقاش في تعليقات سوريين على منشور الوزير.
سوريا والدنمارك: وطنان في القلب
رحّب عدد من المعلقين بإعادة فتح السفارة، معتبرين أنها تتجاوز قيمتها الدبلوماسية المباشرة وتحمل معنى خاصاً للسوريين الذين وجدوا في الدنمارك ملجأً وفرصة لبناء حياة جديدة.
وكتب عماد الحلبي أن إعادة فتح السفارة جاءت نتيجة «مسؤولية وشجاعة وحرفية سياسية»، معتبراً أن سوريا تمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والتجارة والتعليم والثقافة وإعادة الإعمار. وأضاف أنه يتطلع إلى العودة يوماً للمساهمة في بناء بلده، مع استمرار تقديره للدنمارك بما تمثله من قيم وفرص وتنوع.
وقال الحلبي إن كثيراً من السوريين يعيشون علاقة وجدانية مزدوجة مع البلدين: يحبون سوريا لأنها البيت الأول والتاريخ والجذور، ويقدرون الدنمارك لأنها وفرت لهم الحماية وفرصة البدء من جديد. وبرأيه، لا تناقض بين الانتماء إلى البلدين والرغبة في السلام والاستقرار والتقدم لهما معاً.
وكتب ماهر حمدان، في السياق نفسه، أن إعادة فتح السفارة تمثل لكثير من السوريين أكثر من مجرد تقارب رسمي بين دولتين، بل «رمزاً للأمل والاحترام والبداية الجديدة». وأضاف أن سوريا والدنمارك هما «وطنان وقلب واحد» بالنسبة إلى كثيرين من أبناء الجالية، آملاً أن تبني المرحلة المقبلة جسوراً أقوى بين البلدين.
كما عبّر أحمد ليلى عن ترحيبه بالزيارة، آملاً في علاقات دنماركية–سورية أكثر قوة وفي مشاركة أوسع للشركات الدنماركية في الاقتصاد السوري. وكتب محسن قنبر أنه سعيد بتحسن العلاقات بين البلدين، مرحباً بما وصفه بـ«سوريا الجديدة».
الحذر من إعلان الأمان قبل أوانه
لكن جانباً آخر من التعليقات ركّز على هشاشة الوضع في سوريا، وحذّر من أن الانفتاح الدبلوماسي لا يعني تلقائياً أن البلاد أصبحت آمنة لجميع السوريين أو مهيأة لعودة واسعة.
وكتب قادر الموسى، وهو يقول أنه سوري من أصول كردية، أن اللاجئين في النقاش العام يُختزلون في كثير من الأحيان إلى أرقام أو كلفة اقتصادية، فيما تتجاهل هذه الصورة واقع آلاف الأشخاص الذين يعملون، ويدفعون الضرائب، ويديرون أعمالاً، ويكملون تعليمهم، ويربون أبناءهم في المجتمع الدنماركي.
وشدد الموسى على أن النقاش حول اللجوء يجب أن يشمل أيضاً ما يقدمه السوريون للمجتمع، لا أن يقتصر على الحديث عن كلفة الإقامة. كما أشار إلى أن سوريا لا تزال تشهد مخاوف جدية لدى أقليات عدة، بينها الأكراد والعلويون والدروز والمسيحيون، في ظل استمرار التهديدات والعنف وحالة عدم اليقين بشأن المستقبل.
وقال إنه يتمنى أن تصبح سوريا بلداً يستطيع الناس العودة إليه طوعاً ومن دون خوف، لكنه يرى أن هذا اليوم لم يحن بالضرورة بعد.
أما صالح الكيلاني فانتقد ما اعتبره احتفاءً غير نقدي بالزيارة، داعياً الدنمارك إلى التعامل بحذر مع الواقع السوري. وكتب أن كثيراً من السوريين ما زالوا يشعرون بالقلق على أمنهم ومستقبلهم، وأن من الضروري الإنصات إلى من يعيشون تبعات الصراع مباشرة، لا الاكتفاء بالرسائل السياسية العامة.
مطالب بالعدالة والاستماع إلى الضحايا
ومن جهته، دعا ربيع إلبه وزير الخارجية الدنماركي إلى زيارة مدينة السويداء في جنوب سوريا، ذات الغالبية الدرزية، والاستماع إلى شهادات سكانها بشأن أحداث العنف والانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي.
وطالب إلبه بأن تدعم الدنمارك حق الضحايا في العدالة، وأن تعمل من أجل تحقيقات مستقلة وشفافة في الانتهاكات الموثقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم ضد المدنيين.
ويعكس هذا الموقف توجهاً لدى بعض المعلقين لا يرفض التواصل الدبلوماسي مع دمشق من حيث المبدأ، لكنه يطالب بأن يقترن ذلك بموقف واضح من حماية المدنيين وحقوق الأقليات ومكافحة الإفلات من العقاب.
العودة مرتبطة بالأمن والكرامة وفرص العيش
كما برزت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كعامل أساسي في النقاش حول العودة. وكتب موسى العبد الله أن كثيرين لن يفكروا في العودة ما لم تتوافر فرص عمل برواتب تضمن حياة كريمة، مشيراً إلى الفجوة الكبيرة بين الرواتب وتكاليف المعيشة في سوريا.
وسأل علاء بدر عمّا إذا كانت وزارة الخارجية الدنماركية ستغيّر تحذيراتها المتعلقة بالسفر إلى سوريا. ويعكس السؤال مفارقة يلاحظها كثيرون: الحديث عن عودة السوريين من جهة، مع بقاء المخاطر الأمنية عاملاً حاسماً في تقييم السفر إلى البلاد من جهة أخرى.
فالعودة، بالنسبة إلى كثير من اللاجئين، ليست مجرد قرار قانوني أو سياسي، ولا ترتبط فقط بوجود خط طيران مباشر أو حوافز مالية. إنها قرار عائلي وشخصي يرتبط بالأمن، والسكن، وفرص العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، ووجود ضمانات حقيقية للحريات والحقوق.
أسئلة حول الدبلوماسية والذاكرة الثقيلة
في تعليق آخر، أثار محمد حسن أسئلة حول دلالات لقاء الوزير الدنماركي بالرئيس السوري أحمد الشرع، في ضوء خلفيته السابقة وعلاقته السابقة بجبهة النصرة. وأشار إلى أن الدنمارك شاركت خلال سنوات في عمليات عسكرية ضمن الحرب على تنظيمات متطرفة، وأن جنوداً دنماركيين وعائلاتهم دفعوا ثمناً باهظاً لتلك الحروب.
وأكد أن الدبلوماسية قد تكون ضرورية، لكنه طالب بأن تشرح الحكومة الدنماركية للرأي العام بوضوح ما الذي تغير في سوريا، وما الأسس التي تجعلها تتحدث عن مرحلة جديدة، وكيف يمكن التوفيق بين الانفتاح السياسي على دمشق وبين الخطاب المتعلق بعودة اللاجئين.
ومن الجدير بالذكر أن الدنمارك تضم نحو 40 ألف شخص من أصول سورية، بحسب أحدث البيانات السكانية المتاحة من هيئة الإحصاء الدنماركية. وقد تشكلت الجالية على موجات مختلفة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011، وتتنوع داخلها الخلفيات المناطقية والدينية والقومية والسياسية، فضلاً عن اختلاف أوضاع الإقامة والارتباط بسوريا.
ولا توجد جمعية سورية واحدة تتحدث باسم جميع السوريين في الدنمارك أو تمثلهم سياسياً واجتماعياً. فهناك مبادرات وجمعيات وشبكات محلية متعددة، تعمل في مجالات الاندماج والثقافة والمساعدات الإنسانية والدفاع عن حقوق اللاجئين، لكنها لا تجمع بالضرورة كل أصوات الجالية أو مواقفها.
وتعد قضية العودة الطوعية إلى سوريا من أكثر القضايا إثارة للجدل في الدنمارك، سواء على المستوى السياسي أو بين الجمعيات والناشطين وأبناء الجالية أنفسهم. فبينما يرى بعضهم أن التغير السياسي في دمشق قد يفتح الباب أمام عودة تدريجية ومساهمة السوريين في إعادة الإعمار، يشدد آخرون على أن العودة لا يمكن أن تكون حقيقية أو مستدامة ما لم تقم على الأمان، وحرية الاختيار، وضمان الحقوق، وتوافر ظروف معيشية كريمة.


