«لا توجد مواعيد».. مئات اللاجئين والأجانب عالقون في نظام حجز تجديد تصاريح الإقامة

تبدأ القصة بمحاولة لحجز موعد للبصمات، لكنها قد تنتهي بوظيفة ضائعة، أو دراسة مؤجلة، أو رحلة ملغاة، أو حتى الحرمان من وداع قريب يحتضر. أكثر من 300 شهادة أعادت إلى الواجهة أزمة الانتظار الطويل أمام مصلحة الهجرة الدنماركية، وسط انتقادات لسياسة الإقامات المؤقتة وقلة الموارد المخصصة لمعالجة الملفات.

خاص – نبض الدنمارك

«لا توجد مواعيد متاحة».. عبارة قصيرة تظهر على شاشة الحجز الإلكتروني، لكنها أصبحت بالنسبة إلى كثير من اللاجئين والمقيمين في الدنمارك عنواناً لأشهر من القلق والانتظار ومحاولات الحجز المتكررة.

فخلال أيام قليلة، تلقّت رئيسة منظمة Refugees Welcome ميكالا كلانته بنديكسن أكثر من 300 تعليق وشهادة، بعدما دعت عبر حسابها على فيسبوك الأشخاص المتضررين من صعوبة حجز مواعيد البصمات وتأخر بطاقات الإقامة ووثائق سفر الأجانب إلى مشاركة تجاربهم.

وسألت بنديكسن متابعيها عمّا إذا كانوا قد اضطروا إلى الاتصال بمصلحة الهجرة عشرات المرات من دون الوصول حتى إلى طابور الانتظار، أو تعرضوا لخسارة وظيفة أو فرصة دراسية أو اضطروا إلى إلغاء سفر لزيارة أفراد عائلاتهم.

وسرعان ما تحولت دعوتها إلى مساحة واسعة لسرد تجارب شخصية مؤلمة، تتشابه جميعها تقريباً في نقطة واحدة: حياة معلّقة بانتظار موعد أو وثيقة رسمية.

من مواقع التواصل إلى شاشة التلفزيون

انتقلت القضية لاحقاً إلى برنامج Go’ Morgen Danmark على قناة TV 2، حيث شاركت بنديكسن في النقاش إلى جانب دانا الشهابي، والبروفيسور توماس غاملتوفت هانسن، أستاذ قانون الهجرة والتنقل ومدير مركز قانون التنقل العالمي بجامعة كوبنهاغن.

وقالت بنديكسن عقب البرنامج إن النقاش تناول ما وصفته بـ«الانتظار الدائري الذي لا ينتهي» للحصول على بطاقات الإقامة ووثائق سفر الأجانب.

وأضافت أن نتائج هذه السياسة لا تقتصر على تأجيل السفر، بل قد تؤدي إلى خسارة الوظائف، وتعطيل الالتحاق بالتعليم، وحرمان العائلات من زيارة أقاربها في الخارج، فضلاً عن الشعور المستمر بالقلق وعدم الأمان والدونية.

وترى بنديكسن أن المشكلة ترتبط أيضاً بسياسة «الإقامات القصيرة والمؤقتة»، إذ يُطلب من بعض اللاجئين تجديد إقاماتهم ووثائق سفرهم بصورة متكررة، في حين قد تستغرق كل معاملة أشهراً طويلة.

رياضي حُرم من تمثيل الدنمارك

من بين الشهادات التي نُشرت، روى نور عمورة أن ابنه انتظر نحو سبعة أشهر لتجديد إقامته، مما منعه من السفر إلى ستوكهولم مع المنتخب الدنماركي للكيك بوكسينغ، رغم اختياره لتمثيل الدنمارك في البطولة.

طالع أيضا  سؤال وجواب: وزارة الهجرة والاندماج تعلّق بعض ملفات الجنسية الدنماركية.. هل يتأثر طلبك؟

وبحسب الشهادة، حاول المدرب الدنماركي الاتصال بمصلحة الهجرة عدة مرات، وانتظر في بعض المحاولات ما بين ثلاث وأربع ساعات من دون الحصول على جواب.

وقال عمورة إنه يقيم في الدنمارك منذ 11 عاماً، ويعمل ويحمل إقامة دائمة، لكنه انتظر قرابة عشرة أشهر لتجديد وثيقة سفره، مما منعه من زيارة بلده خلال العطلة الصيفية.

ولم تتوقف آثار الانتظار عنده وحده، فقد تعذر على طفليه اللذين يحملان الجنسية الدنماركية السفر أيضاً، لأن والدهما لم يكن يملك الوثيقة اللازمة لمرافقتهما.

وكتب عمورة «نحن لا نطلب معاملة خاصة، بل نطلب معاملة معقولة وإنسانية، وأن تؤخذ أوضاعنا على محمل الجد».

الاستيقاظ قبل الفجر بحثاً عن موعد

وفي شهادة أخرى، قالت رنا فيومي إن طليقها دفع 5400 كرونة لتقديم طلب تمديد إقامته، وهي معاملة يتعين عليه تكرارها بصورة دورية، لكنه بات يستيقظ عند الساعة الرابعة والنصف فجراً يومياً على أمل العثور على موعد لتسجيل بصماته.

وتساءلت: كيف يمكن للسلطات أن تفرض مهلة محددة لتسجيل البيانات البيومترية، بينما لا تتيح عدداً كافياً من المواعيد يمكّن المتقدمين من الالتزام بهذه المهلة؟

كما كتب موظف بلدي يدعى فراس محيي الدين أنه أمضى أكثر من أسبوعين في محاولة حجز مواعيد للبصمات نيابة عن أشخاص لا يستطيعون إدارة معاملاتهم الرقمية بأنفسهم.

وأوضح أن صعوبة الحجز تثير خوفاً شديداً لدى هؤلاء من فقدان إقاماتهم، محذراً من أن الفئات الأكثر ضعفاً قد تضيع داخل النظام لأنها لا تملك القدرة على متابعة الحجز باستمرار أو إيصال صوتها إلى وسائل الإعلام.

وفاة الأم قبل الحصول على الوثيقة

إحدى أكثر الشهادات إيلاماً جاءت من موسى محمد، الذي قال إنه ينتظر منذ يناير/كانون الثاني تمديد إقامته، بعدما وجد أول موعد متاح للبصمات بعد نحو شهر من الموعد الذي بدأ فيه البحث.

وخلال تمتعه بإجازة الأبوة، أبلغته هيئة المدفوعات الدنماركية أن إقامته انتهت، وأنها تحتاج إلى وثيقة تثبت استمرار معالجة طلبه قبل صرف مستحقاته. وبعد محاولات متكررة للاتصال بمصلحة الهجرة، حصل في النهاية على الوثيقة المطلوبة عبر البريد الإلكتروني.

لكن محمد روى أيضاً قصة زميل له انتظر تمديد إقامته قرابة عام ونصف العام، وخلال هذه المدة مرضت والدته وتوفيت، من دون أن يتمكن من السفر لرؤيتها أو توديعها.

طالع أيضا  الإقامة المؤقتة في الدنمارك: من يحق له الحصول عليها وما الذي يجب أن تعرفه؟

وكتب: «عندما لا يستطيع الإنسان السفر لرؤية أمه وهي تحتضر أو توديعها، بسبب انتظاره تمديد الإقامة، فلا بد من السؤال: أين تقع الحدود؟».

ماذا تقول مصلحة الهجرة؟

تؤكد البيانات الرسمية أن مصلحة الهجرة تشهد حالياً ضغطاً كبيراً على خدمة المراجعين. وقد أعلنت أن مواعيد جديدة تضاف يومياً إلى نظام الحجز الإلكتروني، لكن الحجز لا يتاح إلا لثلاثة أسابيع مقدماً.

كما شددت المصلحة على أنه لا يمكن حجز الموعد عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني أو نموذج التواصل، وإنما حصراً من خلال نظام الحجز الإلكتروني.

وبسبب ما وصفته رسمياً بـ«قلة الموارد»، مددت المصلحة مهلة تسجيل البيانات البيومترية المرتبطة بالإقامة أو بوثائق السفر إلى ستة أسابيع. أما الأشخاص المشمولون بالقانون الخاص بالنازحين من أوكرانيا وأفراد عائلاتهم، فما تزال المهلة المحددة لهم أربعة أسابيع.

وتوجد مراكز خدمة تابعة لمصلحة الهجرة في نيستفيد وأودنسه وآرهوس وآلبورغ، إضافة إلى خدمة شهرية في جزيرة بورنهولم. ولا يمكن مراجعة هذه المراكز من دون موعد مسبق، وفق المعلومات الرسمية المنشورة على موقع «نيو إن دنمارك».

عشرة أشهر لتمديد وثيقة سفر

تكشف المدد الرسمية لمعالجة وثائق السفر جانباً آخر من الأزمة. فبحسب مصلحة الهجرة، تصل المدة القصوى المتوقعة لمعالجة طلب إصدار وثيقة سفر جديدة للاجئين أو الأجانب إلى خمسة أشهر، تضاف إليها نحو ثلاثة أسابيع للإنتاج والتسليم.

أما تمديد وثيقة سفر قائمة فقد يستغرق حتى عشرة أشهر، إضافة إلى نحو أسبوعين للتسليم.

وقد تصبح فترة الانتظار الفعلية أطول من ذلك عندما يكون الشخص قد تقدم في الوقت نفسه بطلب تمديد إقامته؛ إذ توضح المصلحة أنها لا تبدأ معالجة طلب وثيقة السفر قبل صدور قرار في ملف الإقامة. وهذا يعني أن صاحب الطلب قد ينتظر أولاً قرار تمديد الإقامة، ثم تبدأ بعد ذلك مدة معالجة وثيقة السفر التي قد تصل وحدها إلى عشرة أشهر. اطّلع على المدد الرسمية لمعالجة وثائق السفر.

وهنا تحديداً تظهر الحلقة التي تصفها منظمة Refugees Welcome بأنها «انتظار دائري»: إقامة مؤقتة تحتاج إلى تمديد، ووثيقة سفر لا يمكن تمديدها قبل حسم ملف الإقامة، وبصمات تتطلب موعداً قد يصعب العثور عليه.

طالع أيضا  بشرى للسوريين في الدنمارك.. رحلات مباشرة بين كوبنهاغن ودمشق اعتباراً من 21 سبتمبر

الإقامة قانونية.. لكن الحياة قد تبقى معلقة

من الناحية القانونية، توضح مصلحة الهجرة أن من يقدم طلب تمديد إقامته قبل انتهاء صلاحيتها يحق له البقاء في الدنمارك خلال فترة معالجة الطلب، مع استمرار الحقوق المرتبطة بإقامته السابقة، بما في ذلك حق العمل في الحالات التي كان هذا الحق قائماً فيها. ويمكن استخدام رسالة تأكيد استلام الطلب لإثبات ذلك.

لكن الشهادات المنشورة تشير إلى فجوة بين استمرار الحقوق من الناحية القانونية والقدرة على ممارستها عملياً. فقد يطلب صاحب العمل أو الجامعة أو هيئة صرف الإعانات وثيقة محدثة أو إثباتاً رسمياً بأن المعاملة لا تزال قيد النظر، وهو ما يضطر الشخص إلى الاتصال بالمصلحة أو مراسلتها للحصول عليه.

أما السفر، فيظل أكثر تعقيداً. وتتيح القواعد في بعض الحالات طلب تصريح بالعودة إلى الدنمارك أثناء معالجة ملف الإقامة أو بطاقة الإقامة، لكن الحصول عليه يتطلب تقديم طلب منفصل ووجود غرض محدد للسفر ووثيقة سفر صالحة. ولذلك لا يمثل هذا التصريح حلاً لمن ينتظر أصلاً إصدار وثيقة سفره أو تمديدها.

قضية تتجاوز «قطعة من الورق»

تعيد الشهادات الـ300 طرح سؤال أوسع حول الثمن الإنساني للنظام الإداري القائم. فبطاقة الإقامة أو وثيقة السفر قد تبدو في لغة المؤسسات مجرد مستند رسمي، لكنها بالنسبة إلى أصحابها شرط للعمل أو الدراسة أو السفر أو الاحتفاظ بصلة مباشرة مع أفراد العائلة في الخارج.

وتشير القصص المنشورة إلى أن التأخير لا يوقف معاملة فحسب، بل قد يوقف حياة أسرة بأكملها: طفل لا يستطيع المشاركة مع المنتخب الذي اختاره، وأبناء دنماركيون لا يتمكنون من السفر مع والدهم، وموظف يخشى فقدان مستحقاته، وشخص يصل خبر وفاة أمه قبل أن تصل وثيقته.

وبينما تعزو مصلحة الهجرة صعوبة الحصول على المواعيد إلى الضغط وقلة الموارد، يطالب المتضررون ومنظمات مساعدة اللاجئين بحل يتجاوز إضافة مواعيد متفرقة إلى شاشة الحجز، ويضمن أن تكون المهل التي تفرضها الدولة قابلة للالتزام بها فعلياً.

فبالنسبة إلى هؤلاء، القضية ليست انتظار «قطعة من الورق»، بل انتظار الحق في مواصلة حياة طبيعية يمكن التخطيط لها.

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

المحرر

مدير الموقع
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock