السوريون في الدنمارك.. من جالية صغيرة في منتصف القرن الماضي إلى واحدة من أكبر مجموعات المهاجرين واللاجئين في البلاد
لم يبدأ تاريخ السوريين في الدنمارك مع موجة اللجوء الكبرى التي أعقبت اندلاع الثورة السورية عام 2011. فقبل ذلك بعقود، وصلت عائلات سورية إلى البلاد عبر مسارات مختلفة، من التعاون المهني والصحي إلى الدراسة والعمل، ثم اللجوء هرباً من الاضطرابات السياسية والقمع في سوريا.
لكن عام 2011 شكّل نقطة التحول الكبرى. ففي غضون سنوات قليلة، انتقل السوريون من جالية محدودة العدد إلى واحدة من أكبر مجموعات السكان ذوي الأصول الأجنبية في الدنمارك.
واليوم، في عام 2026، تدخل قصة السوريين في الدنمارك مرحلة جديدة. فبعد سنوات كان فيها النقاش يدور حول اللجوء والاستقبال والاندماج، باتت العودة الطوعية، ومستقبل الإقامات، والترحيل، وإعادة إعمار سوريا، في صلب النقاش السياسي والعلاقات الجديدة بين كوبنهاغن ودمشق.
الستينيات.. البدايات الأولى للحضور السوري
يصعب تحديد تاريخ واحد يمكن اعتباره بداية الوجود السوري في الدنمارك بسبب قلة المصادرة وغياب أرشيف عن الأجانب في الدنمارك، وخصوصاً أن الإحصاءات الدنماركية الحديثة حول المهاجرين وأبنائهم لا توفر سلسلة قابلة للمقارنة حسب الأصل قبل عام 1980.
لكن الشهادات الشخصية والتاريخ العائلي يقدمان صورة أقدم. فبحسب بحث ميداني أجراه الباحث نضال أبو عريف حول تاريخ الحضور السوري في الدنمارك، وصلت عائلات سورية إلى البلاد منذ ستينيات القرن العشرين، وإن ظلت أعدادها محدودة للغاية ولم تشكل آنذاك موجة هجرة بالمعنى المعروف لاحقاً.
وتشير الشهادات التي جمعها البحث إلى أن بعض حالات الوصول المبكرة ارتبطت بالتعاون بين سوريا والدنمارك في المجال الصحي، وكذلك بنشاط الإرساليات والمؤسسات التي أتاحت انتقال أفراد وعائلات بين البلدين. ومن بين العائلات التي يشير إليها البحث في سياق هذا الحضور السوري المبكر عائلة ضاحي.
وكان الأمر في تلك المرحلة أقرب إلى قصص فردية وعائلية متفرقة منه إلى تشكل جالية سورية كبيرة ومنظمة.
وهذه نقطة مهمة في كتابة تاريخ السوريين في الدنمارك، لأن الاعتماد على الإحصاءات الرسمية وحدها يجعل من الصعب رؤية تلك البدايات الصغيرة التي سبقت السجلات السكانية الحديثة.
الثمانينيات.. سياسات القمع في سوريا تصل آثارها إلى الدنمارك
بدأت طبيعة الهجرة السورية إلى أوروبا تتغير مع تصاعد المواجهة السياسية والأمنية داخل سوريا في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. وشكل الصراع بين السلطات السورية وجماعة الإخوان المسلمين، وما انتهى إليه من أحداث دامية في مدينة حماة عام 1982، محطة مهمة في تاريخ الهجرة السورية إلى الخارج.
وتشير دراسات عن الشتات السوري في أوروبا أعدها المجلس الدنماركي للاجئين إلى أن جزءاً من الهجرة السورية القديمة إلى الدنمارك يعود إلى هذه المرحلة، عندما غادر سوريون بلادهم بسبب الملاحقات السياسية والأوضاع الأمنية.
كما تشير إلى مسارات أخرى للهجرة، من بينها وصول أكراد سوريين بسبب ظروفهم السياسية والاجتماعية في سوريا، إلى جانب أشخاص قدموا للدراسة أو العمل.
وتتوافق هذه الصورة مع نتائج البحث الميداني لنضال أبو عريف، الذي يشير إلى أن الدنمارك شهدت خلال الثمانينيات والتسعينيات، وعلى فترات متقطعة، وصول عائلات سورية وكذلك عائلات فلسطينية كانت تقيم في سوريا، لأسباب ارتبط بعضها بالأوضاع السياسية والأمنية داخل البلاد.
وهكذا لم تكن الجالية السورية القديمة مجموعة متجانسة؛ فقد ضمت سوريين من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة، إضافة إلى أكراد سوريين وفلسطينيين قدموا من سوريا.
ماذا تقول الأرقام القديمة؟
مع بداية الإحصاءات القابلة للمقارنة في عام 1980، كان الوجود السوري في الدنمارك لا يزال محدوداً للغاية.
فقد كان يعيش في البلاد آنذاك بضع مئات فقط من الأشخاص من أصول سورية، وهو رقم صغير جداً إذا قورن بالجاليات الكبرى التي كانت قد بدأت بالتشكل في الدنمارك، خصوصاً من تركيا وباكستان ويوغوسلافيا السابقة.
وخلال الثمانينيات والتسعينيات، ارتفع العدد تدريجياً، لكن السوريين ظلوا جالية صغيرة نسبياً. ولم يكن هناك آنذاك حضور سوري عام وواسع كما نعرفه اليوم. بل إن كثيراً من السوريين الذين وصلوا قبل 2011 اندمجوا في المجتمع الدنماركي أو في بيئات عربية وشرق أوسطية أوسع.
لذلك فإن الحديث عن “الجالية السورية” بوصفها مجموعة كبيرة ومرئية اجتماعياً وديموغرافياً هو في الأساس تطور أحدث بكثير.
2011.. اللحظة التي غيّرت كل شيء
مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 وتحولها لاحقاً إلى حرب ونزاع مسلح واسع، بدأت أكبر موجة نزوح في تاريخ سوريا الحديث.
ووصلت آثارها سريعاً إلى الدنمارك. في الأول من يناير/كانون الثاني 2011، كان يعيش في الدنمارك 4,183 شخصاً من أصول سورية. ثم بدأ العدد يرتفع بسرعة كبيرة.
وصل إلى 4,907 أشخاص عام 2012، ثم 6,057 عام 2013، ونحو 8 آلاف في بداية 2014. وفي بداية 2015 أصبح العدد 14,093 شخصاً، قبل أن يقفز إلى أكثر من 27 ألفاً في 2016، ثم قرابة 38 ألفاً في 2017. وخلال ست سنوات فقط، انتقلت الجالية السورية من نحو أربعة آلاف شخص إلى ما يقارب 38 ألفاً. لم تشهد أي مرحلة سابقة من تاريخ السوريين في الدنمارك تحولاً بهذا الحجم والسرعة.
2015.. عام اللجوء الكبير
بلغت موجة اللجوء إلى أوروبا ذروتها عام 2015، وكانت سوريا في قلبها. وصل آلاف السوريين إلى الدنمارك، بعضهم عبر طرق طويلة وخطيرة مرّت بتركيا واليونان ودول البلقان وأوروبا الوسطى، قبل الوصول إلى الحدود الدنماركية.
وأصبح السوريون خلال هذه المرحلة إحدى أبرز مجموعات اللاجئين في البلاد. لكن الأرقام تكشف أيضاً عن أهمية لمّ الشمل في تشكيل الجالية.
فبحسب هيئة الإحصاء الدنماركية، كان هناك في بداية عام 2022 نحو 35,325 مهاجراً من أصول سورية في الدنمارك، وقد وصل 96% منهم إما كلاجئين أو عبر لمّ الشمل. وكان 56% قد قدموا أساساً كلاجئين، بينما وصل 40% عبر لمّ الشمل.
وهذا يعني أن تاريخ الجالية السورية بعد 2011 ليس فقط قصة أشخاص فروا من الحرب، بل أيضاً قصة إعادة جمع عائلات فرقتها الحرب والحدود.
من اللجوء إلى بناء حياة في الدنمارك
مع مرور السنوات، تغيرت طبيعة حياة السوريين في البلاد. فالأشخاص الذين وصلوا في السنوات الأولى للحرب بدأوا تعلم اللغة الدنماركية، ودخل أبناؤهم المدارس، والتحق آخرون بالتعليم وسوق العمل.
ونشأ بالتدريج جيل من الأطفال والشباب السوريين الذين أمضوا معظم طفولتهم، أو ربما حياتهم كلها، في الدنمارك.
وبالنسبة إلى جزء متزايد من هؤلاء، لم تعد الدنمارك مجرد بلد لجوء مؤقت، بل أصبحت المكان الذي توجد فيه المدرسة والعمل والأصدقاء والحياة اليومية.
وفي الوقت نفسه، بقي الارتباط بسوريا حاضراً داخل كثير من العائلات، سواء من خلال الأقارب أو اللغة أو الثقافة أو الأمل في زيارة البلاد أو العودة إليها يوماً ما.
وهنا بدأت تظهر واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في التجربة السورية الدنماركية: الفرق بين نظرة الدولة إلى اللجوء باعتباره حماية قد تكون مؤقتة، ونظرة الإنسان إلى حياته التي تتغير كلما طالت سنوات الإقامة.
أكثر من 45 ألف شخص من أصول سورية
تكشف الأرقام حجم التحول بوضوح. فبحلول الأول من يناير/كانون الثاني 2024، بلغ عدد الأشخاص من أصول سورية المقيمين في الدنمارك 45,121 شخصاً، مقارنة بـ4,183 فقط في عام 2011.
أي أن العدد زاد بأكثر من عشرة أضعاف خلال 13 عاماً. وفي الربع الثاني من عام 2024، أحصت هيئة الإحصاء الدنماركية 45,375 مهاجراً ومن أبناء المهاجرين من أصول سورية، ما وضع سوريا بين أكبر بلدان الأصل للسكان ذوي الخلفية الأجنبية في الدنمارك.
ومع مرور السنوات، حصل عدد متزايد من السوريين أيضاً على الجنسية الدنماركية أو الإقامة الدائمة، بينما بقي آخرون يحملون تصاريح إقامة مؤقتة. وبذلك لم تعد الجالية السورية مجرد ظاهرة مرتبطة بأزمة اللجوء في 2015، بل أصبحت جزءاً مستقراً ومرئياً من التركيبة السكانية للدنمارك.
سياسة اللجوء تتغير.. والعودة تصبح هدفاً
بالتوازي مع استقرار السوريين، تغيرت السياسة الدنماركية تجاه اللاجئين. فقد أصبحت فكرة أن إقامة اللاجئ ينبغي أن تكون مؤقتة ما دامت الحاجة إلى الحماية قائمة أكثر حضوراً في السياسة الدنماركية.
وكان لهذا التحول تأثير مباشر على السوريين. فمع تغير تقييم السلطات الدنماركية للأوضاع الأمنية في أجزاء من سوريا خلال السنوات الماضية، دخلت قضايا تمديد الإقامة وسحبها والعودة إلى سوريا بقوة إلى النقاش العام.
وهنا ظهر تناقض واضح: فبينما كانت الدولة تناقش إمكانية عودة بعض اللاجئين، كان كثير من السوريين قد أمضوا سنوات طويلة في الدنمارك، وأصبح لديهم أطفال يتحدثون الدنماركية ويدرسون في مدارسها، فيما دخل آخرون سوق العمل أو حصلوا على إقامة دائمة أو جنسية دنماركية.
سقوط الأسد.. وبداية مرحلة جديدة
أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى تغيير جذري في النقاش الدنماركي حول السوريين. فبعد سنوات كان السؤال الأساسي فيها هو: هل يستطيع السوري العودة بأمان؟ أصبح السؤال السياسي يتجه بصورة متزايدة نحو: متى، وكيف، ومن يمكنه العودة؟
وفي عام 2025 سجلت الدنمارك رقماً قياسياً في عدد السوريين الذين عادوا طوعياً إلى سوريا بمساعدة مالية من الدولة.
فقد عاد 665 لاجئاً سورياً وأفراداً من عائلاتهم طوعياً إلى سوريا خلال عام واحد في إطار برنامج العودة الدنماركي.
ولفهم حجم التحول، يكفي النظر إلى السنوات السابقة: ففي الفترة الممتدة من 2019 إلى 2024 بأكملها، بلغ مجموع من عادوا إلى سوريا عبر البرنامج نفسه 584 شخصاً. أي أن عدد العائدين خلال 2025 وحده تجاوز مجموع العائدين خلال السنوات الست السابقة.
وأعلنت وزارة الهجرة والاندماج مطلع 2026 أن صافي هجرة السوريين أصبح سلبياً، أي أن عدد السوريين الذين يغادرون الدنمارك أصبح أكبر من عدد القادمين إليها.
لكن العودة الطوعية شيء والترحيل شيء آخر
من المهم هنا التمييز بين مسارين مختلفين كثيراً ما يختلطان في النقاش العام. الأول هو العودة الطوعية، حيث يقرر الشخص الذي يملك إقامة في الدنمارك العودة إلى سوريا ويمكن، وفق الشروط المحددة، الحصول على دعم مالي عبر برنامج العودة. أما المسار الثاني فهو الترحيل القسري للأشخاص الذين لا يملكون حقاً قانونياً في البقاء في الدنمارك.
ولا يعني تغير تقييم الوضع في سوريا أن جميع السوريين يفقدون حقهم في الإقامة تلقائياً، إذ يجري تقييم قضايا اللجوء والحماية بصورة فردية وفق الأساس القانوني لكل حالة. وخلال 2026 استأنفت السلطات الدنماركية معالجة عدد من ملفات اللجوء السورية، وبدأت تتشكل ممارسة جديدة عبر قرارات دائرة الهجرة ومجلس طعون اللاجئين.
2026.. السفارة الدنماركية تعود إلى دمشق
وجاءت خطوة رمزية وسياسية كبيرة في 31 أغسطس/آب 2026، عندما أعادت الدنمارك فتح سفارتها في دمشق بعد إغلاق استمر 14 عاماً. ولم تقدم الحكومة الدنماركية إعادة فتح السفارة باعتبارها خطوة دبلوماسية فقط.
فقد ربط وزير الخارجية لارس لوكه راسموسن الوجود الدبلوماسي الجديد برغبة الدنمارك في التأثير في التطورات داخل سوريا والمساهمة في إعادة الإعمار وتعزيز العلاقات مع السلطات الانتقالية. لكن هناك أيضاً ملف يعني السوريين في الدنمارك بصورة مباشرة: الهجرة والعودة.
فقد أعلنت كوبنهاغن أن وجود سفارة وسفير في دمشق سيعزز التعاون بشأن العودة الطوعية، وكذلك بشأن ترحيل السوريين الذين لا يملكون حق الإقامة في الدنمارك. وبذلك أصبحت العلاقة بين الدنمارك وسوريا مرتبطة من جديد بصورة مباشرة بمستقبل عشرات الآلاف من السوريين الذين وصلوا إلى الدنمارك خلال العقود الماضية.
من بضع عائلات إلى جالية كبيرة
عند النظر إلى القصة كاملة، تبدو سرعة التحول لافتة. بدأ الحضور السوري، بحسب الشهادات التي جمعها البحث الميداني، بعائلات وأفراد قدموا منذ ستينيات القرن الماضي عبر مسارات مهنية وصحية واجتماعية مختلفة.
ثم جاءت الاضطرابات السياسية في سوريا وأحداث الثمانينيات لتدفع سوريين آخرين، ومعهم بعض العائلات الفلسطينية القادمة من سوريا، إلى البحث عن الأمان خارج البلاد. وخلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة، استمرت الجالية بالنمو، لكن بصورة محدودة ومتقطعة. ثم جاء عام 2011 ليغير كل شيء.
فمن 4,183 شخصاً من أصول سورية عام 2011، ارتفع العدد إلى أكثر من 45 ألفاً بحلول 2024. وخلال هذه الرحلة تغيرت الكلمات التي ارتبطت بالسوريين في النقاش الدنماركي أيضاً.
في البداية كان الحديث عن اللجوء والحماية. ثم أصبح الحديث عن اللغة والعمل والاندماج ولمّ الشمل والإقامة الدائمة والجنسية. واليوم، في 2026، تدخل كلمات أخرى بقوة إلى النقاش: العودة الطوعية، إعادة الإعمار والترحيل.
لكن خلف هذه المصطلحات السياسية والقانونية توجد قصة إنسانية أطول بكثير. إنها قصة عائلات سورية عاشت في الدنمارك قبل أن تصبح سوريا نفسها قضية يومية في السياسة الدنماركية، ولاجئين وصلوا بعد 2011 وبدأوا حياتهم من جديد، وأطفال ولدوا أو كبروا في الدنمارك، وعائلات أصبحت حياتها وذاكرتها موزعتين بين بلدين.
ملاحظة: هذه نواة مقال عن السوريين في الدنمارك، سنحاول خلال الفترة القادمة إضافة مزيد من التفاصيل ونرحب بأي ملاحظة أو معلومة أو تعديل.

