من العمال الضيوف إلى اللاجئين السوريين والأوكرانيين.. كيف غيّرت الهجرة الدنمارك منذ 1950؟
لم تكن الدنمارك التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بلداً للهجرة بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان المجتمع أكثر تجانساً، وكانت الهجرة الدولية محدودة نسبياً، ولم يكن النقاش حول “الاندماج” و”المجتمعات الموازية” و”غير الغربيين” و”سياسة اللجوء” يحتل الصفحات الأولى للصحف أو يحدد نتائج الانتخابات.
لكن خلال نحو سبعة عقود تغيرت الصورة جذرياً.
وصل لاجئون من المجر، ثم عمال من تركيا وباكستان ويوغوسلافيا، وبعدهم لاجئون من فيتنام وإيران والعراق ولبنان وفلسطين وسريلانكا والصومال والبوسنة وأفغانستان. وفي القرن الجديد أضاف توسع الاتحاد الأوروبي موجة كبيرة من العمال القادمين من بولندا ورومانيا ودول أوروبا الشرقية، قبل أن تصبح سوريا ثم أوكرانيا مصدر اثنتين من أبرز موجات اللجوء والهجرة الحديثة.
واليوم، في عام 2026، يشكل المهاجرون وأبناؤهم 16.8% من سكان الدنمارك، وفق هيئة الإحصاء الدنماركية Danmarks Statistik.
لكن الوصول إلى هذه النقطة لم يكن نتيجة موجة واحدة، بل سلسلة مختلفة تماماً من الهجرات: لاجئون، عمال، أفراد عائلات، طلاب، موظفون أوروبيون ومهاجرون متخصصون.
ولهذا فإن تاريخ الهجرة إلى الدنمارك هو أيضاً تاريخ تحول الدنمارك نفسها.
الخمسينيات.. عندما كان “اللاجئ” أوروبياً في الغالب
في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن الدنمارك دولة استقبال كبيرة للمهاجرين من خارج أوروبا.
وكانت إحدى المحطات المهمة أزمة المجر عام 1956، عندما أدى قمع الانتفاضة المجرية ضد النظام الشيوعي والتدخل السوفياتي إلى نزوح أعداد كبيرة من المجريين إلى دول أوروبا الغربية.
استقبلت الدنمارك جزءاً من هؤلاء اللاجئين.
وتظهر مصادر تاريخية دنماركية أن تدفق اللاجئين المجريين كان مهماً إلى درجة أنه ساهم في زيادة العمل الدبلوماسي الدنماركي في فيينا، حيث كان عدد من الفارين يسعون إلى الوصول إلى الدنمارك.
كانت تلك مرحلة كان يُنظر فيها إلى اللاجئ في السياق الدنماركي غالباً باعتباره شخصاً أوروبياً يهرب من الحرب أو الشيوعية.
لكن بعد عقد واحد فقط بدأت قصة مختلفة تماماً.
الستينيات.. الدنمارك تحتاج إلى العمال
شهد الاقتصاد الدنماركي خلال الستينيات نمواً قوياً، واحتاجت المصانع والشركات إلى مزيد من الأيدي العاملة.
وبدأ رجال، معظمهم من الشباب، بالوصول للعمل من دول مثل تركيا وباكستان ويوغوسلافيا.
أطلق عليهم في الخطاب السائد آنذاك وصف gæstearbejdere – العمال الضيوف.
والكلمة تكشف الكثير عن الطريقة التي كان يُنظر بها إليهم: كانوا “ضيوفاً”، أي إن الافتراض الضمني كان أنهم سيعملون فترة ثم يعودون إلى بلدانهم.
لكن التاريخ اتخذ مساراً آخر.
استقر كثير منهم، والتحقت بهم زوجاتهم وأطفالهم، وولد لهم أبناء في الدنمارك. وتحولت الهجرة المؤقتة المرتبطة بسوق العمل تدريجياً إلى وجود دائم.
وتشير بيانات هيئة الإحصاء الدنماركية إلى أن الهجرة من تركيا، على سبيل المثال، ارتبطت تاريخياً بصورة كبيرة بالعمل ثم بلمّ شمل العائلات.
1973.. الباب يغلق أمام العمال الجدد
مع الأزمة الاقتصادية وأزمة النفط في بداية السبعينيات، تغيرت الظروف.
وفي 1973 فرضت الدنمارك ما يعرف عادة بـindvandringsstoppet، أي وقف هجرة العمال من الدول الواقعة خارج السوق الأوروبية المشتركة.
كان ذلك نقطة تحول رئيسية.
فمرحلة جلب العمال الأجانب على نطاق واسع انتهت، لكن الهجرة نفسها لم تتوقف.
وهنا تكمن إحدى المفارقات المهمة في تاريخ الهجرة الدنماركية: إغلاق باب هجرة العمال لم يعنِ إغلاق أبواب الهجرة الأخرى.
استمرت حركة الأشخاص من خلال لمّ الشمل، واللجوء، والزواج، ثم لاحقاً الدراسة والعمل المتخصص وقواعد الاتحاد الأوروبي.
وبدأت شخصية “العامل الضيف” تختفي تدريجياً، لتحل محلها في النقاش العام شخصية أخرى: المهاجر المقيم بصورة دائمة.
السبعينيات والثمانينيات.. اللاجئون يدخلون الصورة
شهدت العقود التالية وصول مجموعات جديدة لم تأت أساساً بحثاً عن وظيفة، وإنما هرباً من الحرب أو الاضطهاد السياسي.
وصل إلى الدنمارك، ضمن موجات مختلفة، أشخاص من تشيلي وفيتنام وإيران والعراق ولبنان وفلسطين وسريلانكا وغيرها.
وهكذا بدأ تركيب السكان من أصول مهاجرة يتغير.
لم يعد الأمر يتعلق فقط بعامل تركي أو باكستاني جاء للعمل في مصنع، بل بعائلات جاءت من مناطق حروب وانقلابات وصراعات سياسية.
ومع هذا التحول أصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل سياسة الهجرة مجرد سياسة لتنظيم الحدود، أم تحتاج الدنمارك أيضاً إلى سياسة طويلة الأمد لإدماج القادمين الجدد؟
1983.. قانون أصبح علامة فارقة
شكّل قانون الأجانب لعام 1983 إحدى أهم المحطات في تاريخ سياسة الهجرة واللجوء الدنماركية.
وتصف الدراسات التاريخية القانون بأنه كان ليبرالياً نسبياً في سياقه، وأصبح لاحقاً نقطة مرجعية في النقاش الدنماركي حول الهجرة.
لكن الانفتاح لم يدم دون تعديلات. فمع ارتفاع أعداد اللاجئين خلال الثمانينيات، جرى تشديد القانون في 1985 و1986، وتركز اهتمام الحكومة بصورة متزايدة على إدارة وصول اللاجئين وضبط الحدود. وتشير دراسة منشورة في Historisk Tidsskrift إلى أن سياسة الاندماج نفسها لم تكن آنذاك أولوية حكومية مركزية، وأن جزءاً كبيراً من المسؤولية العملية تُرك للبلديات والمنظمات.
وهنا بدأ يظهر نمط سيستمر لعقود: كلما ارتفعت أعداد طالبي اللجوء، ارتفعت معها حدة النقاش السياسي حول القواعد.
التسعينيات.. البوسنة تغيّر المشهد
ثم جاءت حروب يوغوسلافيا. الحرب في البوسنة والهرسك دفعت أعداداً كبيرة إلى الفرار نحو أوروبا، وكانت الدنمارك واحدة من الدول التي استقبلتهم. وتكشف بيانات Danmarks Statistik مدى وضوح هذه الموجة تاريخياً: 68% من المهاجرين الموجودين في الدنمارك من أصل بوسني وصلوا خلال عام 1995.
وفي الفترة نفسها استمرت الهجرة من العراق. وتشير هيئة الإحصاء إلى أن الهجرة العراقية إلى الدنمارك بدأت بالارتفاع بصورة واضحة بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، وبلغت ذروتها تقريباً خلال الفترة 1998-2002.
وبذلك أصبحت الحرب في الشرق الأوسط والبلقان عاملاً مباشراً في تشكيل التركيبة السكانية للدنمارك.
1999.. من استقبال اللاجئ إلى “إدماجه”
مع ازدياد أعداد المقيمين من أصول مهاجرة، أصبح مفهوم integration – الاندماج مركزياً.
دخل قانون الاندماج الدنماركي حيز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 1999.
ونقل القانون الاندماج من مجموعة ممارسات متفاوتة إلى إطار أكثر تنظيماً، مع مسؤوليات واضحة للبلديات في التعامل مع اللاجئين والأشخاص القادمين عن طريق لمّ الشمل.
وشملت السياسة تعلم اللغة الدنماركية، والدخول إلى سوق العمل، والتعرف على مؤسسات المجتمع وقواعده.
لكن القانون عكس أيضاً تحولاً فلسفياً مهماً.
فلم يعد الاندماج يُطرح فقط باعتباره حقاً يحصل بموجبه القادم الجديد على المساعدة، بل كذلك باعتباره واجباً تقع مسؤولية تحقيقه جزئياً على الفرد نفسه.
وتصف الأبحاث التاريخية هذا التحول بمفهوم “الحق والواجب في الاندماج”، وهو مبدأ سيصبح لاحقاً أساسياً في السياسة الدنماركية.
بداية الألفية.. الهجرة تصبح قضية انتخابية كبرى
إذا كانت الهجرة في الستينيات مسألة مرتبطة بسوق العمل، فإنها مع بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في الدنمارك.
أصبحت شروط لمّ الشمل، والإقامة الدائمة، والجنسية، والإعانات الاجتماعية، والاندماج، والجريمة، وما سُمي لاحقاً بالمجتمعات الموازية موضوعات مركزية في النقاش السياسي.
وتدريجياً تشددت مجموعة واسعة من القواعد.
والأهم أن التشدد لم يعد حكراً على اليمين السياسي.
فمع مرور الوقت انتقلت أجزاء كبيرة من سياسة الهجرة الصارمة إلى قلب التوافق السياسي الدنماركي، وإن بقيت خلافات كبيرة بين الأحزاب حول الدرجة والوسائل.
وهذا التحول ربما يكون واحداً من أهم التطورات لفهم سياسة الهجرة الدنماركية المعاصرة.
2004 وما بعدها.. نوع جديد من الهجرة
لكن بينما كان النقاش السياسي يتركز بشدة على اللاجئين والمهاجرين من الدول غير الغربية، كانت موجة أخرى تتشكل بهدوء.
توسع الاتحاد الأوروبي شرقاً.
انضمت بولندا إلى الاتحاد الأوروبي في 2004 ورومانيا في 2007، وبدأ عشرات الآلاف من مواطني أوروبا الشرقية بالعمل والإقامة في الدنمارك.
وتظهر إحصاءات الدنمارك أن الهجرة الكبيرة من البلدين بدأت أساساً بعد انضمامهما إلى الاتحاد الأوروبي، وأن العمل يمثل السبب الرئيسي لإقامة كثير من البولنديين والرومانيين في الدنمارك.
وهذا مهم لأن كلمة “مهاجر” قد تخفي تجارب شديدة الاختلاف.
العامل البولندي، واللاجئ السوري، والطالب الهندي، والزوجة القادمة عن طريق لم الشمل، والموظف الألماني جميعهم مهاجرون إحصائياً، لكن أسباب وصولهم ووضعهم القانوني وتجربتهم في الدنمارك مختلفة جذرياً.
2015.. سوريا وأزمة اللجوء الأوروبية
ثم جاءت الحرب السورية.
وصل السوريون إلى الدنمارك على مراحل، لكن عامي 2015 و2016 كانا حاسمين.
وتظهر بيانات Danmarks Statistik أن 54% من السوريين الذين يعيشون في الدنمارك ضمن المجموعة التي تتبعها الإحصاءات وصلوا خلال هذين العامين.
كانت أزمة اللجوء الأوروبية عام 2015 نقطة تحول سياسية أيضاً.
فصور اللاجئين وهم يعبرون الحدود الأوروبية، والأعداد الكبيرة من طالبي اللجوء، جعلت القضية تتصدر النقاش العام.
ومنذ ذلك الحين تحركت السياسة الدنماركية بصورة متزايدة نحو تقليل أعداد طالبي اللجوء والتأكيد على الطبيعة المؤقتة للحماية.
2019.. اللجوء باعتباره حماية مؤقتة
في 2019 وقع تحول رمزي وقانوني مهم.
أصبح الاتجاه الأساسي في تصاريح إقامة اللاجئين وأفراد عائلاتهم هو أن الإقامة تمنح بهدف الإقامة المؤقتة بدلاً من النظر إليها منذ البداية بوصفها طريقاً نحو الاستقرار الدائم.
ومنذ يوليو/تموز 2019 أصبحت تصاريح اللاجئين ولمّ شمل عائلاتهم تُصاغ قانونياً بهذا الاتجاه المؤقت.
الفكرة السياسية وراء هذا التحول بسيطة لكنها عميقة:
الحماية تُمنح ما دام الشخص يحتاج إليها، وإذا أصبحت العودة ممكنة فينبغي أن تصبح العودة هي نقطة الانطلاق.
وهكذا تحولت السياسة من التركيز التقليدي على سؤال “كيف ندمج اللاجئ؟” إلى سؤال موازٍ: “متى يمكنه العودة؟”
2022.. الأوكرانيون ووصول موجة جديدة
جاء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 ليخلق أكبر موجة نزوح في أوروبا منذ عقود.
ووصل عشرات الآلاف من الأوكرانيين إلى الدنمارك.
وتظهر أرقام Danmarks Statistik مدى سرعة هذه الهجرة: 72% من المهاجرين من أوكرانيا المسجلين في بيانات 2025 وصلوا إلى الدنمارك بين 2022 و2024 نتيجة الحرب.
وأصبح الأوكرانيون بذلك خلال فترة قصيرة إحدى أبرز مجموعات المهاجرين الحديثة في البلاد.
2026.. مجتمع مختلف جذرياً عن مجتمع 1950
إذا عدنا إلى الدنمارك اليوم، يصعب التعرف على المجتمع الذي بدأت منه القصة.
في 1 يناير/كانون الثاني 2025 كان يعيش في الدنمارك 977,180 مهاجراً ومن أبناء المهاجرين، وكانوا يمثلون نحو 16% من السكان. وفي 2026 ارتفعت نسبتهم إلى 16.8%.
كما أن التوزيع الجغرافي غير متساوٍ. ففي 2025 وصلت نسبتهم في إقليم العاصمة Region Hovedstaden إلى نحو 24%، مقارنة بنسبة أقل في بقية أقاليم البلاد.
لكن حتى هذه الأرقام تحتاج إلى تفسير حذر. فهي تجمع تحت مظلة واحدة أشخاصاً قدموا من السويد وألمانيا وبولندا ورومانيا وتركيا وسوريا والعراق وأوكرانيا والهند وعشرات الدول الأخرى.
كما تجمع بين من وصل أمس ومن يعيش في الدنمارك منذ أربعين عاماً، وبين اللاجئ والعامل والطالب ومن جاء للالتحاق بعائلته.
ومن هو “المهاجر” أصلاً؟
تستخدم هيئة الإحصاء الدنماركية تعريفاً إحصائياً محدداً. المهاجر indvandrer هو، بصورة مبسطة، شخص ولد خارج الدنمارك ولم يكن أي من والديه مولوداً في الدنمارك ويحمل الجنسية الدنماركية.
أما efterkommer – من أبناء المهاجرين فهو شخص ولد في الدنمارك، لكن أياً من والديه ليس مولوداً في الدنمارك ويحمل الجنسية الدنماركية وفق تعريف الهيئة. وهذا يعني أن شخصاً ولد ونشأ ودرس وعمل طوال حياته في الدنمارك يمكن أن يظهر إحصائياً ضمن فئة “أبناء المهاجرين”.
لذلك لا تعني هذه التصنيفات بالضرورة أن الشخص “وافد جديد”.
من أين جاءوا؟
يمكن تقسيم تاريخ الهجرة الحديث إلى الدنمارك، بشيء من التبسيط، إلى موجات:
الخمسينيات: لاجئون أوروبيون، ومن أبرزهم المجريون بعد انتفاضة 1956.
الستينيات وبداية السبعينيات: عمال من تركيا وباكستان ويوغوسلافيا وغيرها.
السبعينيات والثمانينيات: لاجئون من مناطق صراع وانقلابات في آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.
التسعينيات: البوسنة والعراق والصومال ومناطق أخرى متأثرة بالحروب.
بعد 2004: ارتفاع كبير في هجرة العمل من بولندا ودول أوروبا الشرقية.
2014-2016: موجة سورية كبيرة مرتبطة بالحرب.
منذ 2022: موجة أوكرانية كبيرة بسبب الغزو الروسي.
وهذه الخريطة وحدها توضح لماذا لا توجد في الحقيقة “قصة مهاجر واحدة” في الدنمارك.
وماذا عن اللاجئين اليوم؟
الصورة الحالية مختلفة جذرياً عن 2015. فبحسب وزارة الهجرة والاندماج، وصل عدد طلبات اللجوء في 2025 إلى أقل من ألفي طلب، بينما حصل نحو 500 من طالبي اللجوء التلقائيين على إقامة لجوء. وتقول الوزارة إن عدد طلبات اللجوء أصبح أقل بنحو عشر مرات من مستواه في عام 2015.
أما الملف السوري نفسه فما زال يتغير. بعد سقوط نظام بشار الأسد أوقفت السلطات الدنماركية مؤقتاً معالجة عدد من ملفات السوريين بسبب عدم وضوح الوضع في البلاد، ثم رُفع تعليق ملفات اللجوء في 2025. وخلال 2026 بدأت السلطات تدريجياً باستدعاء السوريين الذين لديهم ملفات لجوء معلقة لإجراء المقابلات.
وهذا يوضح مدى تغير فلسفة اللجوء الدنماركية منذ الثمانينيات: الوضع في بلد المنشأ يُراجع باستمرار، والحماية لا تُفهم بالضرورة على أنها إقامة دائمة.
سبعة عقود غيّرت الدنمارك
من الصعب اختزال تاريخ الهجرة إلى الدنمارك في قصة نجاح أو قصة فشل. الهجرة وفرت عمالاً في الستينيات، وأعادت تشكيل أحياء ومدارس وأسواق عمل، وظهرت أجيال جديدة من الدنماركيين ذوي الجذور التركية والباكستانية والعربية والبوسنية والصومالية وغيرها.
وفي الوقت نفسه خلقت تحديات حقيقية تتعلق بالتوظيف والتعليم والفوارق الاجتماعية والاندماج، وأنتجت نقاشات حادة حول الهوية والدين والمواطنة ودولة الرفاه.
وهناك أيضاً جانب لا يظهر بسهولة في الإحصاءات. فالأبحاث التي تدرس تجارب اللاجئين في الدنمارك تشير إلى أن التعامل مع نظام اللجوء والبلديات والتعليم وسوق العمل يمكن أن ينتج لدى بعضهم تجارب من التهميش وعدم الانتماء، وهو ما يذكّر بأن الاندماج ليس مجرد نسب توظيف أو اجتياز امتحان لغة، بل تجربة اجتماعية وإنسانية أيضاً.
من “ضيف” إلى جزء من المجتمع
ربما تلخص كلمة gæstearbejder – العامل الضيف التحول كله. عندما وصل العمال في الستينيات، كان الافتراض أن وجودهم مؤقت. لكن “الضيوف” أنجبوا أطفالاً، وأطفالهم أنجبوا أطفالاً، وظهرت مساجد ومتاجر ومطاعم وجمعيات، ودخل أبناء المهاجرين الجامعات وسوق العمل والسياسة والإعلام والثقافة.
وفي الوقت نفسه استمرت موجات جديدة في الوصول، لكن لأسباب مختلفة تماماً. ولهذا فإن السؤال بعد أكثر من سبعين عاماً لم يعد فقط: كيف يتعامل المجتمع الدنماركي مع المهاجرين؟ بل أيضاً: كيف غيّرت الهجرة معنى أن تكون الدنمارك نفسها مجتمعاً دنماركياً؟
فالدنمارك التي كان المهاجرون وأبناؤهم فيها ظاهرة محدودة في منتصف القرن العشرين أصبحت في 2026 بلداً يشكل هؤلاء فيه نحو واحد من كل ستة أشخاص.
ومن العمال الأتراك والباكستانيين في مصانع الستينيات، مروراً باللاجئين البوسنيين والعراقيين والسوريين، وصولاً إلى العمال البولنديين والأوكرانيين الفارين من الحرب، أصبحت الهجرة جزءاً دائماً من التاريخ الدنماركي الحديث.
ولعل المفارقة الأكبر أن السياسة الدنماركية أصبحت خلال العقود الأخيرة أكثر تشدداً تجاه الهجرة واللجوء، في الوقت نفسه الذي أصبح فيه المجتمع الدنماركي نفسه أكثر تنوعاً من أي وقت مضى.
المصادر: يعتمد هذا المقال أساساً على بيانات هيئة الإحصاء الدنماركية Danmarks Statistik، والمصادر الرسمية لوزارة الهجرة والاندماج ودائرة الهجرة الدنماركية، إضافة إلى أبحاث منشورة في Historisk Tidsskrift حول تطور سياسة الهجرة والاندماج في الدنمارك.
ملاحظة: الأرقام المتعلقة بنسبة المهاجرين وأبنائهم تعكس تعريفات Danmarks Statistik الإحصائية، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الجنسية أو الهوية الوطنية؛ فجزء من الأشخاص المصنفين إحصائياً كمهاجرين أو أبناء مهاجرين يحملون الجنسية الدنماركية.

