ثقافة التطوع في الدنمارك.. لماذا يعمل آلاف الدنماركيين بلا مقابل؟

في مساء يوم عادي داخل ناد رياضي دنماركي، قد تجد شخصا أنهى للتو يومه في العمل، لكنه بدلا من العودة إلى المنزل يقضي ساعتين في تدريب فريق من الأطفال.

وفي نهاية الأسبوع، قد تجد شخصا آخر يساعد في تنظيم مهرجان موسيقي، أو يقدم القهوة في جمعية محلية، أو يزور شخصا مسنا، أو يجمع التبرعات لمنظمة خيرية، أو يجلس في اجتماع طويل لمجلس إدارة ناد صغير.

والقاسم المشترك بين هؤلاء بسيط: لا أحد يدفع لهم راتبا مقابل ذلك. إنهم Frivillige، أي متطوعون.

والعمل التطوعي Frivillighed ليس ظاهرة هامشية في الدنمارك. بل تشير أحدث دراسة وطنية شاملة أجراها المركز الدنماركي لأبحاث العلوم الاجتماعية VIVE إلى أن نحو 40% من السكان شاركوا في عمل تطوعي، مقارنة بـ36% في عام 2020. وإذا أضيفت الأنشطة التطوعية المؤقتة مثل المهرجانات وحملات جمع التبرعات، ترتفع النسبة إلى نحو 45%.

أي أن السؤال المثير ليس فقط: لماذا يتطوع الدنماركيون؟

بل أيضا: كيف أصبح العمل من دون أجر جزءا طبيعيا إلى هذه الدرجة من المجتمع الدنماركي؟

ما المقصود بالعمل التطوعي في الدنمارك؟

يسمى العمل التطوعي باللغة الدنماركية عادة:

Frivilligt arbejde

والمتطوع: Frivillig

لكن التطوع لا يعني بالضرورة العمل في منظمة إنسانية كبيرة.

قد يكون مدرب كرة قدم للأطفال، أو عضوا في مجلس إدارة جمعية، أو شخصا يساعد في مهرجان، أو متطوعا في منظمة اجتماعية، أو شخصا ينظم أنشطة في الحي.

وتظهر دراسة VIVE أن أكثر أشكال التطوع انتشارا تشمل العمل في مجالس الإدارة واللجان والمجالس إلى جانب المهام العملية، بينما يعمل آخرون كمدربين أو في التعليم أو الدعم الاجتماعي وغيرها من المجالات.

أربعة من كل عشرة

تعطينا الأرقام فكرة عن حجم الظاهرة.

فوفقا لـFrivillighedsundersøgelsen 2024، شارك نحو 40% من الدنماركيين في عمل تطوعي، ويقضي المتطوع في المتوسط نحو 18 ساعة شهريا في نشاطه التطوعي.

واللافت أن النسبة ارتفعت من 36% في عام 2020 إلى 40% في الدراسة الأخيرة، وهي أول زيادة يسجلها هذا المسح خلال عشرين عاما. وكان ارتفاع مشاركة كبار السن أحد أسباب الزيادة، خصوصا في مجالات الرياضة والثقافة والعمل الاجتماعي.

وهذا يعني أن التطوع ليس نشاطا تقوم به مجموعة صغيرة من الأشخاص شديدي الحماس.

إنه جزء واسع من الحياة الاجتماعية.

أين يتطوع الدنماركيون؟

يمكن أن يحدث التطوع في مجالات تكاد تغطي المجتمع كله.

الرياضة واحدة من أهمها: مدربون، أعضاء مجالس إدارة، حكام، منظمون للبطولات وآباء وأمهات يساعدون في أنشطة الأطفال.

وهناك أيضا الثقافة، والخدمات الاجتماعية، والتعليم، والصحة، والسياسة، والبيئة، والمجتمعات المحلية، والجمعيات السكنية والهوايات.

وتشير بيانات هيئة الإحصاء الدنماركية إلى أن التطوع في الرياضة والهوايات والأنشطة الترفيهية يحتل مكانة بارزة ضمن العمل التطوعي.

ولهذا يصعب فصل ثقافة التطوع عن ثقافة الجمعيات Foreningsliv التي تناولناها في مقال سابق.

الجمعيات هي القلب

رغم وجود أشكال جديدة من التطوع، لا تزال الجمعيات والمنظمات التقليدية في قلب المنظومة.

فبحسب VIVE، يقول 66% من المتطوعين إن نشاطهم التطوعي يتم من خلال جمعية أو منظمة تطوعية.

طالع أيضا  كيفية التقديم على الجنسية الدنماركية خطوة بخطوة.. من الطلب الإلكتروني إلى قرار البرلمان

وهذه العلاقة مهمة جدا لفهم المجتمع الدنماركي.

فكثير من الأندية والجمعيات لا تعمل وفق نموذج الشركة التي توظف شخصا للقيام بكل مهمة.

بدلا من ذلك، يقوم الأعضاء أنفسهم بجزء من العمل.

يدفع الشخص رسوم العضوية، لكنه قد يساهم أيضا بوقته.

وهنا تظهر فكرة قد تكون غريبة في البداية بالنسبة للقادم الجديد:

أنت لست مجرد زبون.

أنت جزء من الجمعية.

لماذا يعمل شخص مجانا؟

إذا كان لديك عمل وأسرة والتزامات، فلماذا تقضي مساء الأربعاء في اجتماع مجلس إدارة جمعية صغيرة؟

ولماذا يستيقظ أحد الوالدين صباح السبت ليقود فريقا من الأطفال إلى مباراة؟

الدوافع متعددة.

هناك الرغبة في مساعدة الآخرين، والاهتمام بقضية معينة، والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع المحلي، والرغبة في دعم نشاط الأطفال، وتكوين العلاقات الاجتماعية.

وهناك أيضا شيء أكثر بساطة: الشعور بالانتماء.

فالعمل التطوعي لا يقدم شيئا للمستفيد فقط، بل يمنح المتطوع نفسه شبكة اجتماعية ودورا داخل مجتمع صغير.

وقد أظهرت أبحاث VIVE أيضا وجود علاقة بين المشاركة التطوعية ومستويات أعلى من الثقة في العلاقات الاجتماعية وبعض المؤسسات. لكن يجب الحذر من تفسير ذلك باعتباره سببا مباشرا؛ فالدراسة تظهر ارتباطا وليس بالضرورة أن التطوع وحده هو الذي يصنع الثقة.

عندما يبدأ الأمر بطفلك

بالنسبة لكثير من الأسر في الدنمارك، لا يبدأ التطوع بقرار كبير من نوع: “أريد خدمة المجتمع”.

يبدأ برسالة صغيرة من نادي كرة القدم. Vi mangler frivillige. “نحتاج إلى متطوعين.”

ثم يسأل المدرب إن كان أحد الآباء يستطيع المساعدة في قيادة الأطفال إلى المباراة.

بعد أشهر، يساعد الأب أو الأم في البطولة.

وبعد عام، ربما يصبح أحدهما مساعدا للمدرب أو عضوا في لجنة.

وهكذا يدخل الشخص تدريجيا إلى عالم التطوع.

فالرياضة وأنشطة الأطفال ليست فقط أماكن للأطفال، بل إحدى البوابات الرئيسية التي يدخل عبرها الكبار أيضا إلى الحياة الجمعوية.

ليس كل التطوع التزاما لسنوات

من المهم أيضا التخلص من فكرة أن التطوع يعني بالضرورة الالتزام كل أسبوع إلى الأبد.

هناك تطوع منتظم، لكن هناك أيضا ما يمكن وصفه بالتطوع المؤقت أو المرتبط بحدث معين.

يمكن أن تتطوع يوما واحدا في مهرجان أو حملة لجمع التبرعات أو فعالية رياضية.

وهذا يفسر الفرق بين نسبة الـ40% الأساسية في دراسة VIVE والنسبة التي تصل إلى نحو 45% عند احتساب التطوع المرتبط بفعاليات محدودة زمنيا.

وبالنسبة لمن يريد تجربة التطوع لأول مرة، قد يكون النشاط القصير بداية جيدة.

هل يتطوع سكان الريف أكثر؟

هناك اختلافات جغرافية مثيرة للاهتمام.

وتشير بيانات Danmarks Statistik لعام 2024 إلى أن 53% من سكان البلديات الريفية أفادوا بأنهم مارسوا عملا تطوعيا مرة واحدة على الأقل خلال الاثني عشر شهرا السابقة، مقابل 43% في بلديات منطقة العاصمة.

وقد يكون جزء من التفسير مرتبطا بأهمية الجمعيات والمبادرات المحلية في المناطق الصغيرة، حيث يعتمد استمرار بعض الأنشطة بدرجة كبيرة على مشاركة السكان أنفسهم.

فإذا لم ينظم الناس نادي كرة القدم أو المهرجان أو الجمعية المحلية، قد لا يأتي شخص آخر للقيام بذلك.

هل الرجال أكثر تطوعا من النساء؟

تظهر دراسة VIVE أن الرجال يشاركون في العمل التطوعي الرسمي بنسبة أعلى قليلا من النساء.

طالع أيضا  الجنسية الدنماركية للأطفال.. متى يحصل الطفل على جواز السفر الدنماركي؟

لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدا عندما ننظر إلى العمل غير الرسمي.

فالنساء يقدمن بدرجة أكبر الرعاية والمساعدة غير الرسمية للأقارب والأصدقاء والجيران.

وهذا تذكير مهم بأن الإحصاءات تعتمد أيضا على كيفية تعريف “التطوع”.

فالشخص الذي يعمل ساعتين في مجلس إدارة جمعية يسجل بوضوح كمتطوع، بينما قد لا تُحسب بالطريقة نفسها امرأة تساعد بصورة منتظمة جارها المسن أو أحد أفراد الأسرة.

التطوع ودولة الرفاه

هنا يظهر سؤال أكبر:

إذا كانت الدنمارك دولة رفاه واسعة، فلماذا تحتاج أصلا إلى المتطوعين؟

لأن العمل التطوعي لا يؤدي الدور نفسه الذي تؤديه الدولة.

فالبلدية قد توفر خدمات اجتماعية، لكن المتطوع يستطيع تقديم علاقة إنسانية أو نشاط اجتماعي أو مجتمع محلي لا يمكن دائما تحويله إلى خدمة حكومية.

وتصف VIVE العمل التطوعي بأنه جزء مهم من دولة الرفاه ومكوّن أساسي في مجتمع مدني حي وديمقراطية تعمل بصورة جيدة.

لكن العلاقة بين الدولة والمتطوعين ليست خالية من النقاش.

فهناك باستمرار نقاش حول الحدود بين المهام التي ينبغي أن يؤديها موظفون محترفون وتلك التي يمكن للمتطوعين القيام بها.

فالتطوع يفترض أن يكون إضافة إلى المجتمع، وليس ببساطة وسيلة لاستبدال الوظائف المدفوعة بعمل مجاني.

هل التطوع دائما قصة نجاح؟

لا. فالجمعيات الدنماركية تواجه أيضا مشكلة حقيقية في العثور على أشخاص مستعدين لتحمل المسؤولية.

وفي مسح أجرته وزارة الثقافة للجمعيات، قال 73% من المشاركين إن جمعياتهم تواجه تحديات في استقطاب المتطوعين، بينما أشار نحو النصف إلى صعوبات في الاحتفاظ بهم.

ومن الأسباب التي ذكرتها الجمعيات تغير أنماط الحياة، واختلاف طريقة تعامل الأجيال الأصغر مع العمل الجمعوي، والمنافسة على وقت الناس.

وهنا توجد مفارقة مثيرة: الدنمارك لديها ثقافة تطوعية قوية، لكنها في الوقت نفسه تحتاج باستمرار إلى المزيد من المتطوعين.

لذلك ستصادف كثيرا العبارة: Frivillige søges أي: “مطلوب متطوعون”.

ماذا يستفيد المتطوع؟

عدم الحصول على راتب لا يعني عدم الحصول على شيء.

فالتطوع يمكن أن يمنح الشخص خبرة عملية وعلاقات اجتماعية وشبكة مهنية وشعورا بالانتماء وفرصة لتجربة مسؤوليات جديدة.

وقد يكون مهما بصورة خاصة للشباب أو الطلاب أو الأشخاص الذين انتقلوا حديثا إلى الدنمارك.

فبدلا من معرفة المجتمع من الخارج، تصبح جزءا من نشاط فعلي داخله.

تتعلم كيف يتواصل الناس، وكيف تعقد الاجتماعات، وكيف توزع المسؤوليات، وكيف تتخذ القرارات.

وتتعلم اللغة أيضا في سياق حقيقي.

التطوع والقادمين الجدد إلى الدنمارك

بالنسبة للعربي الذي انتقل حديثا إلى الدنمارك، يمكن أن يكون التطوع طريقا عمليا لبناء شبكة اجتماعية.

وهذا مهم لأن تكوين العلاقات في بلد جديد ليس دائما سهلا.

قد تتعلم الدنماركية في مدرسة اللغة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنك تعرف أشخاصا تتحدث معهم خارج الصف.

التطوع يخلق سياقا طبيعيا لذلك.

بدلا من محاولة بدء حديث مع شخص غريب، لديكما بالفعل مهمة مشتركة.

تنظمان فعالية.

تدربان الأطفال.

تقدمان الطعام.

تساعدان في جمعية.

وهكذا يصبح الحديث نتيجة طبيعية للعمل المشترك.

طالع أيضا  كيفية التقديم على الجنسية الدنماركية خطوة بخطوة.. من الطلب الإلكتروني إلى قرار البرلمان

وهل يفيد في السيرة الذاتية؟

يمكن أن يفيد. خصوصا إذا كان العمل التطوعي مرتبطا بالمجال الذي تريد العمل فيه، أو أظهر أنك اكتسبت خبرة في التنظيم أو التواصل أو الإدارة أو العمل مع مجموعات معينة.

لكن قيمته لا تكمن فقط في كتابة سطر جديد في الـCV.

بالنسبة للقادم الجديد، يمكن أن يوفر أيضا شبكة علاقات ومراجع وفهما لثقافة العمل الدنماركية.

وهذه أشياء يصعب اكتسابها من قراءة إعلان وظيفة.

كيف تجد فرصة للتطوع؟

هناك عدة طرق. ابدأ بالجمعيات الموجودة في منطقتك، أو اسأل النادي الرياضي الذي ينتمي إليه أطفالك، أو المكتبة أو المركز الثقافي المحلي.

وتوجد في العديد من المدن مراكز تطوع تعرف باسم: Frivilligcenter

وهي تساعد في ربط الأشخاص بالجمعيات والأنشطة المحلية.

ويمكن البحث باستخدام كلمات مثل:

Frivilligt arbejde – عمل تطوعي
Bliv frivillig – كن متطوعا
Frivillige søges – مطلوب متطوعون
Frivilligcenter – مركز التطوع
Forening – جمعية
Frivillig job – فرصة/مهمة تطوعية

ولا تحتاج إلى البدء بالتزام كبير.

اسأل ببساطة عن نوع المساعدة المطلوبة وعدد الساعات المتوقعة.

التطوع ليس “مجانا” تماما

من زاوية اقتصادية، لا يحصل المتطوع على أجر.

لكن من زاوية اجتماعية، يحدث تبادل من نوع آخر.

المجتمع يحصل على الوقت والعمل والخبرة.

والمتطوع قد يحصل على علاقات وخبرة وانتماء وشعور بأن لعمله معنى.

وهذا ربما يفسر لماذا يستمر الناس في القيام بأعمال يمكنهم، من الناحية النظرية، قضاء وقتهم في شيء آخر بدلا منها.

فالشخص الذي يقف في ملعب كرة القدم تحت المطر مساء نوفمبر لا يفعل ذلك لأنه اكتشف طريقة مبتكرة للحصول على المال.

بالتأكيد لم يفعل.

لكنه قد يفعل ذلك لأن ابنه يلعب هناك، ولأنه يعرف بقية الآباء، ولأن الفريق يحتاج إلى مدرب، ولأن شخصا ما يجب أن يحضر الكرات ويفتح غرفة الملابس.

ثقافة تكشف شيئا عن الدنمارك

من الصعب فهم المجتمع الدنماركي بالنظر فقط إلى الدولة والحكومة والبلديات.

هناك طبقة أخرى بين الفرد والدولة: المجتمع المدني.

وفي هذه المساحة تعمل آلاف الجمعيات والأندية والمبادرات، ويقدم عدد كبير من الأشخاص جزءا من وقتهم دون أجر.

أحيانا يكون العمل كبيرا ومؤثرا. وأحيانا يكون مجرد ساعتين في الأسبوع.

لكن مجموع هذه الساعات هو الذي يساعد على إبقاء جزء كبير من الحياة الرياضية والثقافية والاجتماعية المحلية قائما.

ولهذا، عندما ترى في المرة المقبلة كلمة Frivillig على قميص شخص في مهرجان أو ناد رياضي أو فعالية محلية، فهي لا تعني فقط أن هذا الشخص يعمل مجانا.

إنها تشير أيضا إلى تقليد اجتماعي متجذر في الدنمارك:

أن المجتمع ليس فقط ما تقدمه الدولة لنا، بل أيضا ما نقرر نحن أن نقدمه لبعضنا البعض.

المصادر

اعتمد المقال بصورة رئيسية على Frivillighedsundersøgelsen 2024 الصادرة عن VIVE، إلى جانب بيانات Danmarks Statistik ودراسة وزارة الثقافة الدنماركية حول الحياة الجمعوية والتطوع.

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

المحرر

مدير الموقع
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock