بعد رحيله بثلاثة أعوام.. «الموت عمل شاق» لخالد خليفة تصدر باللغة الدنماركية
كوبنهاغن – نبض الدنمارك
تصدر اليوم الجمعة 21 أغسطس/آب 2026 النسخة الدنماركية من رواية «الموت عمل شاق» للروائي السوري الراحل خالد خليفة، لتضيف عملاً جديداً من الأدب السوري المعاصر إلى المكتبة الدنماركية، بعد نحو 3 سنوات من رحيل صاحبها في دمشق.
وتصدر الرواية بالدنماركية تحت عنوان Døden er hårdt arbejde عن دار النشر الدنماركية Batzer & Co في روسكيلده، بترجمة أستاذة اللغة والأدب العربي والمترجمة الدنماركية جون ضاحي (June Dahy)، في حين صممت الغلاف Molly Wittus. ويقع الكتاب في 208 صفحات.
ويكتسب صدور الرواية أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تنقل واحداً من أبرز أعمال خالد خليفة إلى القارئ الدنماركي، بل لأنها تعيد حضوره إلى المشهد الثقافي في بلد ارتبط به الكاتب السوري بعلاقات أدبية وثقافية امتدت لسنوات.
رحلة موت عبر سوريا
تبدأ أحداث الرواية من سرير في مستشفى بالعاصمة السورية دمشق، حيث يموت عبد اللطيف، وهو رجل مسن من منطقة حلب، بعد أن يترك لابنه بلبل وصية أخيرة تبدو بسيطة: أن يُدفن في مقبرة العائلة في قرية العنابية، حيث عاش أفراد أسرته لأجيال.
لكن تنفيذ الوصية يتحول إلى رحلة شاقة عبر بلد مزقته الحرب.
يقنع بلبل شقيقه الأكبر حسين وشقيقته فاطمة بمرافقته ونقل جثمان والدهم إلى القرية. وفي الظروف العادية، لا تتطلب الرحلة سوى ساعات قليلة بالسيارة، لكن سوريا التي يتحركون عبرها لم تعد البلد الذي عرفوه.
فالطرق مقطعة، والحواجز العسكرية تنتشر في كل مكان، ومناطق النفوذ تتغير، والجيوش والجماعات المتنافسة تفرض سلطاتها الخاصة، فيما يتحول المشهد الذي عرفه الأشقاء في طفولتهم إلى متاهة يصعب فيها التمييز بين الطريق إلى المقبرة والطريق إلى الموت.
وخلال الرحلة، يجد الأشقاء الثلاثة أنفسهم أمام الاعتقال والاستجواب والسجن والقصف، في الوقت الذي تطفو فيه إلى السطح خلافاتهم القديمة وعلاقتهم المعقدة بوالدهم وببعضهم بعضاً.
وهكذا لا تعود رحلة نقل الجثمان مجرد محاولة لتنفيذ وصية أب، بل تتحول إلى صورة مصغرة عن بلد أصبح فيه إنجاز أبسط تفاصيل الحياة – وحتى دفن الموتى – مهمة بالغة الصعوبة.
الحاجز بطل آخر للرواية
تحتل الحواجز العسكرية موقعاً مركزياً في «الموت عمل شاق»، إذ لا تظهر فقط باعتبارها جزءاً من خلفية الحرب، وإنما كقوة تتحكم في حركة الشخصيات وفي بنية الرواية نفسها.
وقد تناولت دراسات أكاديمية هذا الجانب من الرواية، مشيرة إلى أن الحاجز في أعمال الأدب السوري المرتبطة بالحرب أصبح مساحة يواجه فيها الإنسان الانتظار والعنف والإهانة وإساءة استخدام السلطة، وأنه يؤدي في «الموت عمل شاق» دوراً في توجيه مسار الحكاية نفسها.
ومن خلال هذه الرحلة، يرسم خليفة صورة لسوريا لا تعتمد على سرد المعارك الكبرى بقدر ما تقترب من التفاصيل اليومية الصغيرة للحرب: حاجز، طريق مغلق، جثة داخل سيارة، وثيقة هوية، سؤال يطرحه مسلح، وخوف لا يعرف أصحابه أين ستكون محطته التالية.
خالد خليفة والدنمارك
ولخالد خليفة علاقة ثقافية قديمة بالدنمارك، إذ سبق أن صدرت روايته «مديح الكراهية» باللغة الدنماركية، كما شارك في مشاريع أدبية مرتبطة بالمؤسسات الثقافية الدنماركية.
ومن أبرز هذه الروابط مشاركته في مشروع «صفاء يوم جديد – أصوات عربية شابة» الذي أطلقه المعهد الدنماركي في دمشق عام 2011 لاكتشاف أصوات أدبية عربية شابة في خضم التحولات التي شهدتها المنطقة مع بدايات الربيع العربي.
وتولى خالد خليفة آنذاك قراءة وتقييم عدد كبير من النصوص والقصائد المشاركة، قبل اختيار مجموعة منها للنشر لجمهور عربي ودنماركي، فيما شاركت يونه داهي في ترجمة النصوص إلى الدنماركية.
وبذلك تجمع النسخة الدنماركية الجديدة من «الموت عمل شاق» مرة أخرى بين اسم خالد خليفة ويونه داهي، بعد سنوات من التعاون الثقافي المرتبط بالأدب السوري والعربي.
رحل في دمشق
توفي خالد خليفة بصورة مفاجئة في منزله بدمشق يوم 30 سبتمبر/أيلول 2023 عن 59 عاماً، تاركاً وراءه تجربة روائية جعلته واحداً من أبرز الأصوات في الأدب السوري المعاصر.
ولد خليفة عام 1964 بالقرب من حلب، ودرس القانون، لكنه اتجه إلى الكتابة الأدبية والدرامية، وكتب عدداً من الروايات التي تناولت المجتمع السوري وتحولاته السياسية والاجتماعية والعائلية.
ومن أشهر أعماله «مديح الكراهية»، و**«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، و«الموت عمل شاق»، و«لم يصلِّ عليهم أحد»**.
وحظيت أعماله باهتمام واسع خارج العالم العربي، وتُرجمت رواية «الموت عمل شاق» وحدها إلى عدد كبير من اللغات، بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والنرويجية والبولندية والتركية والفارسية، لتنضم الدنماركية الآن إلى قائمة اللغات التي انتقلت إليها الرواية.
حضور بقي في كوبنهاغن
لم تنته علاقة خالد خليفة بالدنمارك برحيله. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد أيام قليلة من وفاته، أقام عدد من أصدقائه ومحبيه بيت عزاء في كوبنهاغن، في مشهد عكس الصلات التي نسجها الكاتب خلال زياراته وعلاقاته مع الوسط الثقافي العربي والدنماركي.
واليوم، وبعد نحو 3 سنوات، يعود خالد خليفة إلى الدنمارك بطريقة أخرى. هذه المرة لا يأتي للمشاركة في ندوة أو لقاء أدبي، وإنما تصل روايته إلى رفوف المكتبات باللغة الدنماركية.

