لماذا لا يوجد برلماني من أصول عربية تحت قبة البرلمان الدنماركي؟
ليس السؤال هنا إحصائياً بقدر ما هو سياسي: كيف يمكن لكتلة سكانية تتجاوز 130 ألف شخص، يشكّل الحاصلون على الجنسية الدنماركية منهم أكثر من النصف، أن تبقى بلا تمثيل برلماني يُذكر؟ أهي مصادفة انتخابية، أم تعبير عن خلل أعمق في بنية الحضور السياسي العربي ذاته في الدنمارك؟
بل إن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً حين نقارن: فبينما يُعدّ الدنماركيون من أصول عربية أكبر كتلة بين مجموعات الخلفيات المهاجرة من خارج أوروبا، يظهر حضورهم في قوائم المرشحين ضعيفاً إلى حدّ لافت. ففي انتخابات تضم 933 مرشحاً، لا نجد سوى مرشحين عربيين: ربيع أزد أحمد عن حزب الراديكال فنستره في شرق يولاند، وصادق العامود عن حزب الشعب الاشتراكي في إقليم العاصمة. رقم لا يعبّر فقط عن ضعف التمثيل، بل يكشف عن غياب مسار سياسي تراكمي. ففي القوائم نفسها نجد أسماء لعشرات المرشحين من أصول تركية وباكستانية وإيرانية وأفغانية. لماذا؟
بالنسبة لعرب الدنمارك، لا تبدأ المشكلة بالغياب عن قوائم المرشحين، بل قبلها بكثير: في اللجان المحلية للأحزاب، وفي الجمعيات المحلية، وفي الثقافة السياسية نفسها. ودعونا نفصّل قليلاً هنا:
أولاً، على مدار العقود الثلاثة الماضية، ظل الحضور العربي ضعيفاً داخل البنى الحزبية الدنماركية، أي في الأماكن التي تُصاغ فيها السياسات وتُبنى فيها شبكات الثقة. السياسة في الدنمارك ليست قفزة انتخابية، بل مسار طويل من العمل الحزبي المحلي، من اللجان، ومن البلديات، ومن التدرّج الصبور. ومن لا يدخل هذه المسارات، لا يصل إلى البرلمان. ومن دون هذا الانخراط، يصبح التمثيل الانتخابي عرضياً أكثر منه تعبيراً عن حضور سياسي تراكمي.
ثانياً، هيمنة منطق “الترشح السريع” على حساب “العمل التراكمي”. فقد طغت خلال العقود الثلاثة الماضية نزعة لدى بعض المرشحين من أصول عربية تهدف بشكل أساسي إلى الظهور على قوائم الترشيح، بدل الاستثمار في العمل الحزبي طويل النفس. بل إن بعض تجارب بعض الشخصيات اتسمت بالتنقّل بين الأحزاب، كلاعب الجمباز، مما أضعف الاستمرارية وأربك عملية بناء الثقة بين عرب الدنمارك والأحزاب، في بيئة سياسية تقوم بشكل أساسي على التدرّج والتوافق. وفي الفترة الأخيرة، ابتُلي عرب الدنمارك ببعض ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي الذين احترفوا بيع الوهم السياسي ومهاجمة أحزاب بعينها لأسباب تنمّ عن مراهقة سياسية وقراءة فقيرة للواقع السياسي في البلاد. فعرب الدنمارك لا يملكون رفاهية قطع الجسور، بل يجب عليهم تعزيزها وتوقيتها.
ثالثاً، من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الإشكالية لا تقتصر على المجال الحزبي. فداخل عدد من المؤسسات والجمعيات العربية في الدنمارك، لا تزال الممارسة الديمقراطية محدودة: ضعف في الشفافية، غياب لتداول المسؤوليات، وإقصاء نسبي للكفاءات الأكاديمية والثقافية من مواقع القرار. كيف يمكن لمجتمع عربي دنماركي لا ينتج نخباً سياسية داخل مؤسساته أن يطالب بتمثيل قوي خارجها؟
رابعاً، تسود في صفوف عرب الدنمارك ظاهرة تفكك العمل الجماعي لصالح نجاحات فردية لافتة. أطباء، مهندسون، رواد أعمال… لكن بلا مؤسسات تمثيلية قادرة على تحويل هذا النجاح إلى نفوذ سياسي. النجاح الفردي لا يصنع تمثيلاً، بل قد يغطي على غيابه، ويُبقي الصوت العربي مشتتاً، بلا إطار جامع.
خامساً، هناك عزوف نسبي لدى بعض الشباب من أصول عربية عن الانخراط السياسي، مقارنة بمجموعات أخرى، ما يفاقم فجوة التمثيل على المدى البعيد. وهنا تتكرّس الحلقة: غياب يولّد غياباً. وحتماً ستدفع الأجيال القادمة ضريبته إذا لم تتغير الصورة.
هكذا نرى أن عدة عوامل تتقاطع لخلق واقع أليم: ثقافة سياسية تتطلب تراكماً طويلاً، ومجتمع عربي-دنماركي لم ينجح بعد في تنظيم نفسه سياسياً على نحو تراكمي. ويبقى السؤال: هل ستساهم نتائج الانتخابات في خلق بريق أمل برؤية شاب دنماركي من أصول عربية تحت قبة البرلمان قريباً؟
الجواب تصنعونه أنتم بمشاركتكم غداً في عملية الاقتراع وبوعيكم.


