بعد التحية: الاندماج… مفهوم جديد

 

حلت الحكومة الحالية وزارة الاندماج وأعادت مهامها إلى الوزارات ذات العلاقة وبنت الحكومة قرارها هذا على أساس نظرتها الجديدة للاندماج ولقضايا الأجانب بشكل عام. تلك النظرة التي شرحتها أحزاب الحكومة ودافعت عنها خلال حملتها الانتخابية وما قبلها.

وفي الوضع الجديد أسندت الكثير من ملفات الاندماج إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، بحيث صار اسمها وزارة الشؤون الاجتماعية والاندماج، وتولتها السياسية النشطة كارين هيكاروب من الحزب الديمقراطي الاشتراكي.

وفي حديثها الأخير معنا والمنشور في العدد السابق عرفت هيكاروب الأجنبي المندمج بأنه: «الشخص الذي يشعر ويتصرف على أنه جزء من المجتمع». وهذا يعني أن الاندماج لم يعد فقط الحصول على عمل أو إتقان اللغة الدانماركية، أو حفظ الإجابات الصحيحة لمئة سؤال عن  التاريخ الدانماركي! وإنما هو قبل هذا وذاك «شعور وتصرف» ينسجمان مع المجتمع  ومعاييره وقيمه العامة.

فلكي يشعر شخص ما بأنه جزء من المجتمع الدانماركي ويتصرف على هذا الأساس، لابد أن تتحقق معادلة قبول واحترام متبادلة بين الطرفين. أي أن المجتمع يقبل بهذا الشخص بغض النظر عن أصله ولونه وديانته، ويحترم ثقافته ويستوعبها، وبالمقابل يحترم الشخص المعني قيم المجتمع ومعاييره وقوانينه ويقبل بها ويتصرف على هذا الأساس.

معادلة الاحترام والقبول هذه ليست سهلة ولا يمكن فرضها أو اختصارها بفترة زمنية محددة مسبقا، لأنها عملية اجتماعية معقدة، كما أنها تتفاوت من شخص إلى آخر. وهي في واقع الأمر جوهر عملية الاندماج بكاملها. كما أنها  لا تعني مطلقا أن يتخلى الشخص المعني عن قيمه وعاداته الخاصة إلا إذا كانت تتعارض بشكل صارخ مع قيم المجتمع وقوانيه النافذة. ولا تعني أيضا أن يمارس الشخص عادات الدانماركيين بقضها وقضيضها لكي يصبح مندمجا.

من هنا تأتي صعوبة هذه المعادلة السحرية التي إن تحققت ستنتج حتما «الشعور والتصرف» الذي تحدثت عنهما الوزيرة. لكن هذه الصعوبة تبدو في الواقع مطلوبة وضرورية، فالاستيعاب الثقافي، سواء من قبل المجتمع أو الشخص الوافد إليه، يستغرق وقتا ومراحل عديدة، لأنه يتعلق بإيقاع حياة البشر وبالمنظومة الاجتماعية التي يشاركون جميعا في بنائها.

ولو طبقنا «شروط» الوزيرة المذكورة، ومعادلة القبول والاحترام المتبادل التي أشرنا إليها، فإن الكثير من الأجانب المقيمين في هذه البلاد سيجدون أنفسهم على هامش المجتمع الدانماركي. ليس لأن المجتمع لم يتقبلهم وإنما لأنهم لم يتقبلوا المجتمع. وقد تحول عدم التقبل هذا عند البعض إلى عداء شديد بينهم وبين المجتمع سرعان ما أخذ أشكالا سلبية عديدة.

ومشكلة هؤلاء الأساسية أنهم يريدون تفصيل المجتمع على مقاسهم الثقافي أو الديني. وهذا لن يحدث على الإطلاق مهما فعل هؤلاء. لأن المجتمع الدانماركي قائم على أساس معايير وقيم راسخة لكنها في نفس الوقت متطورة ومتجددة. وهو يخضع في تطوره لمؤثرات وعوامل داخلية وخارجية معقدة.

لقد تحول المجتمع الدانماركي في زمن العولمة من مجتمع الثقافة الأحادية التي استمرت سنوات طويلة، إلى مجتمع متعدد الثقافات. لكن قيمه الأساسية مازالت راسخة، وربما ترسخت أكثر لأن معظم هذه القيم أصبحت في الوقت الحالي قيماً عالمية.

ونرجو أن تلعب النظرة الجديدة للاندماج التي تعتمدها الحكومة الحالية دوراً ايجابياً في زيادة عدد الأجانب الذين يشعرون بأنهم جزء من هذا المجتمع ويتصرفون على أساس ذلك الشعور.

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

محمد حمزة

صحفي عراقي. عضو اتحاد الصحفيين الدنماركيين. عمل في الصحافة العربية في لبنان وسوريا. ساهم في تأسيس واصدار وتحرير عدد من الصحف والمواقع العربية في الدنمارك.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock