أسكندر شبل: الثورة جعلتني أفتخر بجذوري التونسية

تصوير: بيتر كرستيانسن
تابع أبناء الجالية العربية في الدنمارك على مدار العام الماضي أنباء الثورات العربية عبر أجهزة الإعلام المختلفة، وشاركوا في وقفات احتجاجية دعماً لثورات الشباب العربي في تونس ومصر وسوريا واليمن وكذلك نظموا حفلات فرحا بانتصار الثورات في بعض البلدان. وكانت مشاركة أبناء الجالية الثانية واضحة ومميزة، حيث كانوا يمثلون دينامو النشاطات. جريدة «أخبار الدنمارك» تركز ابتدءا من هذا العدد على تأثير الثورات العربية على الاحساس بالهوية العربية لدى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين العرب.
في بداية العام الماضي لاحظ العديد من المشاركين في المظاهرات التي نظمت في كوبنهاجن دعماً للثورات العربية شابا طويل القامة، يحمل ملامح عربية ودنماركية وإلى جانبها يحمل علما تونسيا ضخماً اعتاد أن يرفعه في كل الوقفات والمظاهرات وعندما يزداد لهيب الكلمات المؤيدة للثورة والثوار في تونس يفتح المجال لساعديه فيرفرف العلم الأحمر عاكسا إحساس حامله الجياش بالفخر والعزة والفرحة.
وربما ما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الشاب اسمه «اسكندر شبل» ومولود في كوبنهاجن من أب تونسي وأم دنماركية في نفس العام الذي تولى فيه الرئيس الهارب «زين العابدين بن علي» السلطة في قصر قرطاج. أخبار الدنمارك حاورت اسكندر بعد مرور عام على الثورة التونسية لتتعرف على تجربته في العام الأول من الثورة وكيف عايشها من الدنمارك.
عندما زار اسكندر شبل عائلته في مدينة سوسة التونسية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2010 لم يمكن يتخيل أن تحدث هذه التغييرات الكبيرة في البلد التي هاجر منها والده قبل عدة عقود، فكل شي كان على سابق عهده، بن علي متربع على عرشه بكل قوة والحديث في السياسة من موبقات الأمور، ومن يغامر وينتقد النظام لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمصيره.
وعن شعوره في ذلك الحين يقول اسكندر «لو قال لي أي شخص في تلك الزيارة أن بن علي سيهرب بعد شهرين وسيترك قاعات قصر قرطاج إلى مكان مجهول في المملكة العربية السعودية، فكنت سأعتبره شخص غير متوازن عقليا».
ويضيف اسكندر «لم أكن اعتقد في أي لحظة أن تتطور هذه الأحداث لشيء كبير حتى بعد خطاب بن علي في الثالث عشر من يناير، لم أكن أتصور أنه سيتنحى أو سيغادر البلاد، ولقد فاجأتني سرعة مغادرته للبلاد».
شعور بالفخر والاعتزاز
اسكندر الذي أشرف على مقر الاقتراع لانتخابات المجلس التونسي الـتأسيسي في كوبنهاجن تحدث بشغف عن الأحداث والتغيرات في تونس وكيف تعاملت معها الجالية التونسية في الدنمارك خصوصا فئة الشباب. وحول تجربته في الإشراف على الانتخابات يقول اسكندر «لقد كانت أقرب لاحتفالية استمرت على مدار ثلاثة أيام، وكانت السعادة تغمر الجميع بالرغم من طول الإجراءات الروتونية، ووقف العديد منهم بجانب صناديق الاقتراع ورفعوا أصابعهم الملونة بالحبر لالتقاط صورة تذكارية، فهذه اللحظة كانت تاريخية بامتياز في نظرهم، أخيرا استطاعوا أن يشاركوا في انتخابات تونسية حرة ونزيهة». ويردف قائلاً « لقد ملئني شعور بالفخر والاعتزاز، فها أنا أشارك في إتمام الثورة التي بدأت في شوارع مدن وقرى تونس، والتي ضحى العديد من الأشخاص بحياتهم من أجلها»
ويشير اسكندر الى انه في مرحلة ما بعد الثورة والتطورات المتلاحقة التي حدثت في تونس بدأت محاولات لإنشاء جمعية أو ناد يلم شمل التونسيين في الدنمارك وانه كان هناك صعوبة في تكوين هذه الجمعية بسبب قلة العدد والتواصل بين التوانسة في البلاد. حيث اتخذت مجموعة من الشباب زمام المبادرة لتأسيس الجمعية في عام 2011.
وعن بداية تأسيس الجمعية يقول اسكندر:» لقد كنا مجموعة من الشباب قوت الثورة شعورهم الوطني وزادت في رغبتهم في التواصل مع أشخاص من نفس الخلفية الوطنية، ومنذ ذلك الحين والأمور تسير بشكل جيد في الجمعية»
وينظم النادي العديد من النشاطات الثقافية والرياضية حيث تم تنظيم دورات كرة قدم وسباحة وحفلات عيد كما يقدم النادي دورات في الثقافة التونسية واللغة العربية. وحسب اسكندر فقد استطاع النادي أن يصبح نقطة التجمع التي افتقدها التوانسة في الدنمارك لعقود.
التعريف بتونس
ويرى اسكندر أن الثورة والانتخابات الأخيرة قد ساعدت في تقوية العلاقة بين التونسيين في الدنمارك ومنحتهم جرعة قوية من «الفخر التونسي». ويضيف « لقد شعرت خلال الانتخابات الأخيرة بشكل كبير بأنني تونسي، عندما شاركت في عدة لقاءات تلفزيونية حول الانتخابات وهذا مما دفع العديد من زملائي في العمل بمدحي لمساهمتي في التعريف بتونس وما يجري هناك عبر وسائل الإعلام الدنماركي».
ويتابع « لقد كانوا يعرفوا أنني من جذورتونسية ولكنهم لم يكونوا يعيروا هذا الأمر أي انتباه، وفجأة أصبحت أنا ممثلا للعملية الانتخابية والتونسيين، لقد كان شعور جميل».
ويلفت اسكندر النظر إلى أن العديد من أصدقائه من جذور عربية كانوا يسألونه عما يجري في تونس وعن تطورات الأحداث ويقول « في عدة مرات وأثناء تواجدي في المسجد يسألني عدة أشخاص إذا كنت من تونس، وبعد ذلك يقولون لي أن التونسيين هم من بدؤوا الثورة، وأنهم يستحقون الشكر، وبذلك أحصل على مديح وإطراء في الحقيقة لا أستحقه».
ويفسر اسكندر سبب الاهتمام الكبير من الأشخاص من جذور عربية بأنهم يشعرون بعلاقة قوية مع ما يحدث في الشرق الأوسط كما أنهم يتابعون الأحداث بشكل كبير. ويضيف «لقد وجهت لي العديد من الأسئلة حول الثورة وكيف حققت النجاح وعن رؤيتي لها وماذا سيحدث في المستقبل من قبل شباب من أصول عربية ، واعتقد أنهم يسألون عن ذلك لأنهم يتوقعون حدوث نفس الشيء في بلدانهم الأصلية»
الثورة وتكوين الهوية
وكشف اسكندر عن شعوره بأن هويته التونسية بدأت تلعب دورا أكبر في حياته بعد الثورة في تونس وقال « لقد اجتاحني شعور وطني أكبر وبدأت أشعر بفخر بكوني تونسي تزامنا مع الحديث والنقاش حول ما يدور في تونس، وأشعر بأنني تونسي في معاملاتي اليومية، شعور لا أعتقد أنه كان سيحدث لو لم تحدث الثورة».
ويرى اسكندر أن المزاوجة بين هويتين وطنيتين يعتبر أمر صعب، ولكن إذا استطاع المرء ذلك فإن ثنائية الهوية ستكون شيء ايجابي يستطيع أن يستفيد منه في حياته ، ويعطي مثالاً عن طريقة تعامله مع هذه المسألة قائلاً « أنا أرى أهمية أن يقوم الشخص بمزاوجة الصفات الايجابية، حيث يستطيع الشخص أن يستفيد من الدقة في المواعيد والمثابرة في العمل من الثقافة الدنماركية وفي نفس الوقت يستفيد من الروح الاجتماعية التي توجد في الثقافة التونسية، فهذا أمر يساهم في تقوية الشخصية في حال استطاع الإنسان من ثقافتين مختلفتين بشرط الحفاظ على التوازن»
وحول هويته يقوا اسكندر بنبرة واثقة «أنا جزء من هاذين العالمين، أنا املك شيء تونسي في داخلي وأتحدث اللغة وملم بالثقافة وفي نفس الوقت أتفهم العادات والتقاليد الدنماركية».
اهتمام بالثقافة التونسية بعد الثورة
وفي نهاية حديثه أشار اسكندر إلى أن الثورة قد خلقت اهتماما وفضولا ورغبة كبير في التعرف على الثقافة التونسية ورغبة في التواصل معها بطريقة أو بأخرى. ويضيف بنبرة صوت متفائلة وشحنة عالية من الفخر الوطني التي يشترك فيها مع أصدقائه في الجمعية التونسية «نحن نعرف الآن المزيد عن الثقافة التونسية، فمنسوب المعرفة بين أبناء الجيل الثاني، خصوصا المولودين في الدنمارك أصبح أكبر، وأنا اعتقد أنه من المهم أن يهتم هذا الجيل بالثقافة التونسية، وهذا شيء لم أكن مقتنع به قبل الثورة التونسية».
ملاحظة: هذا التقرير تم نشره لأول مرة في العدد التاسع عشر من جريدة أخبار الدنمارك التي صدر في بداية شهر فبراير 2012. وهو جزء من سلسلة تقارير ستنشرها الجريدة حول تأثير الثورات العربية على الشباب من أصول عربية في الدنمارك.

