أوروبا والفوضى العربية الكبرى


لا تكن آخر من يعرف!


مئات من العرب في الدنمارك يتابعون نبض الدنمارك عبر واتساب. انضم إليهم لتصلك الأخبار والمعلومات المهمة أولًا بأول، ولا يفوتك ما قد يهمك.


انضم إلى القناة الآن

أمران مهمان وقعا في الدنمارك في الفترة الأخيرة لا ينبغي لنا أن نمر عليهما مرور الكرام. أولهما مطالبة حزب الشعب الدنماركي بإعادة إقامة الرقابة الحدودية بين الدنمارك وجيرانها بعدما أزيلت بقيام الإتحادالأوروبي. وثانيهما، إجماع البرلمان الدنماركي إجماعاً مطلقاً على المشاركة في حرب قد يبدو للوهلة الأولى أن الدنمارك لا ناقة لها فيها ولا جمل – الحرب على ليبيا. وهذا أمر لم يحدث حتى عندما تعرضت الدنمارك نفسها للحرب والإحتلال في الحرب العالمية الثانية، فمنهم من قبل بالاحتلال وتعاون معه ومنهم من عارض الاحتلال. بل وحتى قبل ثماني سنوات من الآن عارض ما يقرب من نصف أعضاء البرلمان مشاركة الدنمارك في احتلال العراق. فلماذا أصيب السياسيون الدنماركيون بـحمى الحرب فجأة؟

أما رغبة حزب الشعب في إعادة الحدود فقد تبدو للبعض أمراً طبيعياً فاليمين المتطرف يكون انعزالياً بطبعه، وأما عن حمى الحرب فقد يقول قائل إن الحرب على العرب أصبحت أمراً مألوفاً وسهلاً، ثم إنها تجارة رابحة، لأن حكام الخليج العربي يمولونها إلى حد الملّيم، فتبقى المغانم صافية للمعتدين، وهم يفعلونها اليوم في ليبيا كما فعلوها بالأمس في العراق، فلمَ لا نشارك في اقتسام الغنائم في ليبيا مثلما فعلنا في العراق؟ وقد يكون الأمر غير ذلك تماماً، والحدثان ليسا إلا مؤشراً على الإحساس باقتراب كارثة كبرى.

الساعة التي هرب فيها زين العابدين بن على من تونس كانت ساعة الإنتقال من عصر الخنوع العربي إلى عصر الفوضى العربية العارمة التي بشّر بها أحد القتلة المحترفين في هذا القرن، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، تحت عنوان «الفوضى الخلاقة» والتي أراد نشرها في العراق عن طريق «الصدمة والترويع»، أي تعريض العراقيين لفتك أحدث أسلحة الدمار الشامل الأمريكية بتمويل خليجي. أسماها بالفوضى الخلاقة ليس لأنها ستخلق نظاماً أكثر عقلانية في العالم العربي، بل بمعنى أنها فوضى تُدار من البيت الأبيض ووفق ما يشتهيه سادة ذلك البيت.

ثورة تونس كانت نقية نقاء سريرة الشعب التونسي، وتلتها ثورة مصر التي أثبتت أن جذوة الحضارة التي قامت في هذا البلد قبل سبعة آلاف سنة ما تزال متقدة، وأن شعب مصر عملاق كان نائماً وخابت ظنون من حسبه ميتاً، عملاق ما أن نهض حتى بعث الوعي في كل النيام من حوله.
وكانت ثورة تونس ومصر صدمة مروّعة لأمثال رامسفيلد. وهي أربكت حسابات أصحاب المصالح الكبرى في العالم العربي، أوروبا وشقيقتها الكبرى الولايات المتحدة. كانت صدمة ليس لأنها كانت غير متوقعة، وإنما لأنها جاءت نقية وشعبية، بينما كانوا هم يتوقعون فوضى ويستعدون لإدراة فوضى، فـ»دراسات المستقبل» التي تقوم بها مؤسسات كثيرة في أوروبا وأمريكا كانت تقدر أن الفوضى العربية، خاصة في شمال إفريقيا، ربما تبدأ في منتصف هذا القرن.

الارتباك لم يدم طويلاً فقد سارعت هذه الدول إلى تفعيل خططها التي أعدتها من زمن بعيد لمواجهة الفوضى، وسرعان ما استعادت المبادرة وركبت موجة ما صارت تسمى بـ»الانتفاضة العربية» لتوجهها بالوجهة التي تخدم مصالحها، فرأينا كيف أن الشعب الليبي الذي ضاق ذرعاً بالقذافي يُصاب بالنكبة في انتفاضته ويصبح رهينة بيد المتعطشين إلى ثروته النفطية وبيد مجموعة من المرتزقة من الليبيين القابعين في واشنطن وباريس، الذين يذكروننا بالمرتزقة العراقيين الذين داسوا على كرامة العراقيين بالدبابات الأمريكية.

أحداث ليبيا أنهت حلم الثورة العربية وحولتها إلى كابوس الفوضى العربية الهائلة. إن ما يجري في ليبيا وأماكن أخرى من العالم العربي ليس ثورة بل خدعة مأساوية كبرى. أي زمن هذا الذي تدعم فيه أمريكا وفرنسا والأموال السعودية والخليجية ثورات العرب من أجل الديمقراطية والحرية!

إن الفوضى العربية، بعد ثورة تونس ومصر، تُدار دون أدنى شك من قيادة أمريكية أوروبية مشتركة، يغلب عليها التأثير الأوروبي طبعاً. وهذه القيادة تسعى بكل قدراتها لتضع هذه الفوضى في إطار يخدم مصالحها.

الجانب الأمريكي في هذه القيادة لا يزال يفكر بعقليته الغبية القديمة ويهمه بالدرجة الأولى حماية إسرائيل من الفوضى القائمة والقادمة، أما الجانب الأوروبي فتجاوز مسألة أمن إسرائيل لأن الخطر صار يدق أبوابه هو، فالثورات يمكن أن تنتهي بإحاطة أوروبا بحزام من الأنظمة الإسلامية، فلا أحد ينكر أو يمكن أن يتجاهل أن القوى الفاعلة في البلدان العربية اليوم هي القوى الإسلامية، وأن الشعوب العربية تراهن على هذه القوى بعد أن خيّب الشيوعيون والقوميون آمالها. أما الفوضى «الخلاقة» فتجعل العرب يقتتلون فيما بينهم، لكنها إن خرجت عن السيطرة فإنها ستنتقل إلى أوروبا نفسها.

لقد تنبأت دراسات المستقبل منذ ثمانينات القرن الماضي بأن أوروبا ستتعرض في غضون عقود قليلة إلى موجات من النزوح من إفريقيا والشرق الأوسط لا يمكن تخيلها – بسبب زيادة السكان والفقر وانهيار أنظمة الحكم البالية. ها قد انهارت الأنظمة، ورغم أن وسائل الإعلام اليوم تضلل على حجم النزوح القادم من ليبيا وتونس في ظل الفوضى القائمة فإن القَطْر بدأ وسينهمر المطر الأسود مدراراً، فليس فقط الهاربون من جحيم الفوضى في شمال إفريقيا سيطرقون أبواب أوروبا، بل سرعان ما سيكتشف الملايين في وسط القارة الإفريقية وشرقها وغربها أن الطريق إلى أوروبا الرفاهية والأمن أصبحت سالكة بفضل الفوضى في الشمال.

إن إصرار حزب الشعب الدنماركي على موضوع الحدود له إذن ما يبرره ففي ظل إتفاقية شنجن لن يجد النازحون صعوبة في الوصول إلى الدنمارك بمجرد أن ينجحوا في الوصول إلى أي مكان في جنوب أوروبا. إن السنوات القليلة القادمة ستغير وجه أوروبا أو هويتها بمختلف الطرق، فالفوضى لا تزال في أولها ولم تمتد بعد إلى الجزائر والمغرب وموريتانيا. السيناريو مخيف حقاً، وحزب الشعب الدنماركي أول من يتحسس الخطر.

كذلك يصبح واضحاً لماذا صوّت البرلمان الدنماركي برمته، بدون صوت واحد معارض، على المشاركة في الحرب على ليبيا. إن خطر الفوضى والنزوح المليوني يطرق أبوابنا، ولسوف نغرق في عواقب المآسي التي خلقناها في القارات الأخرى، ولا أحسن حلاً من أن نرسل جيوشنا لتحتل السواحل الشمالية لإفريقيا وتوقف زحف الفوضى هناك، وتسيطر على النفط في الوقت نفسه، وتمنع قيام أفغانستانات وصومالات على حدودنا. هذا هو بالتأكيد ما يدور في الرؤوس الذكية!!

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

محمد حمزة

صحفي عراقي. عضو اتحاد الصحفيين الدنماركيين. عمل في الصحافة العربية في لبنان وسوريا. ساهم في تأسيس واصدار وتحرير عدد من الصحف والمواقع العربية في الدنمارك.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock