الرسوم : قضية أم حدث؟

 

الإجراءات الحكومية والفعاليات الثقافية التي جرت في الدنمارك بمناسبة الذكرى الخامسة لنشر الرسوم وضعتنا جميعا أمام مشهد غريب ومتناقض.

هكذا يبدو لي على الأقل، فالمسلمون «اختاروا» الصمت المطبق، وفضلوا تجاهل المناسبة مع أنهم الضحية التي يحق لها أن تصرخ، خصوصا بعد أن أعيد نشر الرسوم ضمن كتاب. بينما تحرك الدنماركيون وتكلموا بصوت عال، فعقدوا المؤتمرات المغلقة والندوات التلفزيونية وأصدروا الكتب وكتبوا المقالات، واحتفوا بالسيد فليمنج روسه المسؤول الأول عن نشر الرسوم.

لماذا صمت المسلمون يا ترى؟ هل حدث ذلك لأنهم اختاروا الصمت موقفا بمحض إرادتهم، أم بسبب لقاء وزارة الخارجية مع عدد محدود من نشطائهم، قبل الذكرى بعدة أيام؟ إذا كانوا قد اختاروا الصمت وهذا من حقهم، فأعتقد أنهم خسروا فرصة طيبة للتعبير عن رأيهم في هذه القضية.

والتعبير عن الرأي في قضايا من هذا النوع لا يتم  بالمظاهرات والبيانات والخطابات، مع أنها مشروعة، بل من خلال الفعاليات الثقافية والفكرية التي تتناسب مع هذه القضية بالذات.

فقضية الرسوم بدأت حركتها منذ البداية في مجال الثقافة، أو هكذا أرادوا لها، لذلك يحق لنا أن نطلق السؤال التالي: لماذا لم تقم المؤسسات الإسلامية في الدنمارك بتنظيم مؤتمر أو ندوة أو أية فعالية ثقافية أخرى حول هذه القضية؟ الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا تحليل واقع وأهداف وآليات عمل ومنجزات ومصادر هذه المؤسسات، وهذا لا يقع في دائرة اهتمامنا حاليا. لكن المهم في هذا الجانب أن قضية الرسوم لم تعد، وهي لم تكن منذ البداية، قضية هذه المؤسسات حصراً، لأن الجزء الأخطر منها يقع في واقع الأمر خارج مشاغل واهتمام هذه المؤسسات.

ويمكن توضيح ذلك برصد ما تقوله النخب السياسية والإعلامية والثقافية الدنماركية في تعريف هذه القضية، فهي عند بعضهم حدث فاصل في الصراع الفكري بين حضارتين، وهي عند آخرين عنوان بارز من عناوين الدفاع عن حرية التعبير، لذلك فإنهم تناولوا هذه القضية في ذكراها الخامسة، بفعاليات ثقافية بحتة أكدت على تمسكهم جميعا وبدون استثناء بحرية التعبير.

كما أكدت في الوقت نفسه الطابع الفكري لهذه القضية، لذلك فإنها طامة كبرى حقا إذا اعتقد المسلمون في داخل الدنمارك أو خارجها أن نشر الرسوم كان خطأ اقترفه بعضهم أو عملا جنونياً قام به مخبولون كما يقول أحدهم، أو أنه حدث عابر طواه النسيان، هذا يعني أنهم لم يتابعوا ما دار حول هذه القضية في ساحة الفكر والثقافة والسياسة والإعلام الدنماركية خصوصا والغربية عموما خلال السنوات الخمس الماضية، فهذه القضية صارت جزءاً من تاريخ الدنمارك وصارت الرسوم رغم تفاهتها، رمزا لحرية التعبير، وحفظت في أهم متاحف البلاد، وتحول أبرز رساميها إلى شخصية عالمية يكرمه زعماء الغرب وتمنحه مؤسسات بارزة أرقى جوائزها.

اشترك في النشرة البريدية لموقع نبض الدنمارك

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock